إني بليت بأربع يرمينني بالنبل عن قوس لها توتير
إبليس والدنيا ونفسي والهوى يا رب أنت على الخلاص قدير
( 238 ) من أثبت لنفسه تواضعًا فهو المتكبر حقًا إذ ليس التواضع إلا عن رفعة فمتى أثبتّ لنفسك تواضعًا فأنت المتكبر
يعني أن من أثبت لنفسه تواضعًا بأن خطر بباله أنه متواضع فهو المتكبر حقًا إذ ليس التواضع الذي أثبته لنفسه ناشئًا إلا عن شهود رفعة كان يستحقها وتنازل عنها إلى ما دونها . وشهود ذلك هو عين التكبر
فمتى أثبت لنفسك تواضعًا وشاهدت أنك نزلت عن الدرجة التي تستحقها فأنت المتكبر بها ولا ينتفي عنك التكبر إلا بوجود الصفة حقيقة بأن لا ترى لنفسك قيمة ولا مرتبة . كما قال الشبلي: من رأى لنفسه قيمة فليس له من التواضع نصيب . وعلامة المتحقق بهذا الخلق أن لا يغضب إذا عوتب ولا يكره أن يذم أو يقذف بالكبائر ولا يحرص أن يكون له عند الناس قدر أو جاه
وقال أبو يزيد: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر . قيل: فمتى يكون متواضعًا ؟ قال: إذا لم ير لنفسه مقامًا أو حالًا
وتواضع كل أحد على قدر معرفته بربه وبنفسه . فقد كان بعض العارفين إذا عارضه في الطريق كلب يوسع له ويمشي هو أسفل منه ويقول: هو أولى بالكرامة لأني كثير الذنوب والكلب لا ذنب له
وقال بعضهم: لا يجوز للإنسان أن يرى لنفسه مزية على غيره ولو كافرًا لعدم أمن العاقبة . وناهيك قوله تعالى: { فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ . . . } ( 99 )
ص 160
الْخَاسِرُونَ . وقوله تعالى: { وَاعْلَمُوا أن اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } ( 24 ) الأنفال
وفي الحديث:"لقلب ابن آدم أشد انقلابًا من القدر إذا استجمعت غليانًا". وكان صلى الله عليه و سلم كثيرًا ما يقول:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"
ثم وضح ما تقدم بقوله:
( 239 ) ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع ولكن المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع
فمن جلس في آخر المجلس مثلًا ورأى أنه يستحق الجلوس في صدره وإنما فعل ذلك تواضعًا فهو المتكبر
ومن رأى أن مرتبته أحط من ذلك وأن جلوسه في آخر المجلس فوق ما يستحق لكونه لا يرى لنفسه قدرًا ولا رتبة فهو المتواضع
ص 161
( 240 ) التواضع الحقيقي هو ما كان ناشئًا عن شهود عظمته وتجلي صفته
يعني أن التواضع الحقيقي الذي لا يبقى معه شائبة كبر هو ما كان ناشئًا عن شهود عظمته تعالى وتجلي صفته على العبد . كما قال في عوارف المعارف: لا يبلغ العبد حقيقة التواضع إلا عند لمعان نور المشاهدة في قلبه فعند ذلك تذوب النفس وعند ذوبانها صفاؤها من غش الكبر والعجب فتلين وتنطبع للحق وللخلق بمحو آثارها وسكون وهجها وغليانها
ثم علل ذلك بقوله:
( 241 ) لا يخرجك عن الوصف إلا شهود الوصف
أي لا يخرجك عن وصفك النفساني إلا شهود الوصف الرباني فإذا لم تشهد عظمته وكبريائه وجلاله فلا تتوهم أن لك نصيبًا من التواضع الحقيقي فقف عند حدك واعرف قدر نفسك ولا تدّع أحوال الرجال قبل أن تظفر بالنوال . وهذا وإن كان مرتبًا على ما قبله لكنه أعم منه . فلا يخرجك عن شهود القدرة والقوة من نفسك إلا شهود قدرة الله تعالى وقوته ولا يخرجك عن شهود الغنى لك إلا شهود غناه ولا يخرجك عن شهود العزة لنفسك إلا شهود عزته . فتبقى بربك في الكل لا بنفسك . فتدبر ذلك وجد في مرضاة مولاك قبل حلول رمسك
( 242 ) المؤمن يشغله الثناء على الله عن أن يكون لنفسه شاكرًا وتشغله حقوق الله عن أن يكون لحظوظه ذاكرًا
يعني أن المؤمن الحقيقي ذاهب عن نفسه فلا يرى لها عملًا صالحًا