( 231 ) العلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه ويكشف به عن القلب قناعه
يعني أن العلم النافع هو العلم بالله تعالى وصفاته وأسمائه والعلم بكيفية التعبد له والتأدب بين يديه لأنه العلم الذي ينبسط في الصدر شعاعه - أي نوره - فيتسع وينشرح للإسلام ويكشف به عن القلب قناعه - أي غطاؤه - فتزول عنه الشكوك والأوهام . قال الجنيد: العلم أن تعرف ربك ولا تعدو قدرك . أي هو معرفة الله وحسن الآداب فلا تغتر بعلم اللسان وعليك بالعلم الذي يوصلك إلى الكريم الوهاب . كما قال المصنف:
( 232 ) خير العلم ما كانت الخشية معه
يعني أن العلم النافع هو ما كان صاحبه ملازمًا للخشية وهي خوف مع إجلال ينشا عنه العمل
وقد أثنى الله تعالى على العلماء بذلك فقال: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ( 28 ) فاطر وأما العالم الذي لا خشية معه فليس عالمًا على الحقيقة خصوصًا إذا كان همه الجمع والادخار والمباهاة والاستكبار
فإن علم هذا حجه عليه وسبب في جر وبال العقوبة إليه لأنه لا يكون من ورثة الأنبياء إلا إذا كان بصفة المورث عنه من الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وتمكن التقوى منه . وما ألطف قول بعضهم:
لو كان للعلم من دون التقى شرف لكان أفضل خلق الله إبليس
ولقد أحسن من قال:
قالوا فلان عالم فاضل فأكرموه مثل ما يرتضى
فقلت لما لم يكن ذا تقى تعارض المانع والمقتضى
ص 152
وناهيك قوله سبحانه في كتابه المكنون: { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } ( 7 ) الروم . فالزم الطاعة أن أردت أن تكون من العلماء العاملين واستعذ بالله من علم لا ينفع كما استعاذ منه سيد الأولين والآخرين
ثم أكد المصنف ذلك بقوله:
( 233 ) العلم أن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك
يعني أن العلم النافع الذي يكون لك ثوابه هو ما قارنته الخشية من الله تعالى فتداوم العمل . وإلا بأن قصدت به المباهاة والتعاظم فعليك وزره وخاب منك الأمل . فإنه لا يكون العلم نافعًا إلا إذا كانت نية صاحبه طلب مرضاة مولاه واستعماله فيما يحبه ويرضاه لأن التقرب إلى الله تعالى بالعلم هو مقصود الأكابر من القوم . وناهيك قوله صلى الله عليه و سلم:"كل يوم لا أزداد فيه علمًا يقربني إلى ربي فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم"وقد قالوا: مثل من قطع الأوقات في طلب العلم فمكث أربعين أو خمسين سنة يتعلم ولا يعمل كمثل من قعد هذه المدة يتطهر ويجدد الطهارة ولم يصل ركعة واحدة . إذ المقصود من العلم العمل كما أن المقصود بالطهارة وجود الصلاة
وقد سمع أبو داود الطيالسي يحدث عن شعبة أنه كان يقول: الإكثار من
ص 153
هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون . فإذا كان الإكثار من طلب الحديث بهذه المثارة عند هذين الإمامين مع ما فيه من الفوائد الأخروية فما ظنك بغيره من محدثات العلوم ومبتدعاتها وقد ذكر طلب العلم عند الإمام مالك فقال: إن طلبه لحسن إذا صحت فيه النية ولكن انظر ماذا
ص 154
يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي ومن حين تمسي إلى حين تصبح فلا تؤثرون عليه شيئًا
( 234 ) متى آلمك عدم إقبال الناس عليك أو توجههم بالذم إليك فارجع إلى علم الله فيك فإن كان لا يقنعك علمه فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم
يعني متى أوجعك عدم إقبال الناس عليك بالمدح أو آلمك توجههم إليك بالذم فارجع إلى علم الله فيك فإنه هو الذي يعلم ظاهرك وخافيك فإن كنت عنده مخلصًا في أعمالك فلا تغتم لذم الذامين وإن كنت عنده ممقوتًا فلا تغتر بمدح المادحين فإن كان لا ينفعك علم الله بك بل نظرت إلى ما من المخلوقين فمصيبتك الحاصلة لك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم لبعدك عن رب العالمين
فلا ينبغي للمريد أن يكون مطمح نظره إلا إلى مولاه فلا يفرح إلا بإقباله عليه ولا يحزن إلا لإعراضه عنه والعياذ بالله
( 235 ) إنما أجرى الأذى على أيدهم كي لا تكون ساكتًا إليهم . أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء
يعني أنه سبحانه إنما أجرى الأذى لك - أيها المريد - على أيدي الخلق لأجل أن لا تكون مائلًا إليهم بقلبك . فهو في الحقيقة نعمة عليك لأنه أوصلك إلى من لا تصل النعم إلا منه إليك
قال بعض العارفين: الصيحة من العدو سوط الله يضرب به القلوب إذا ساكنت غيره . ولولا ذلك لرقد العبد في ظل العز والجاه وهو حجاب عن الله عظيم
وكان بعض العارفين يقول في دعائه: اللهم أن قومًا سألوك أن تسخر لهم
ص 155
خلقك فسخرت لهم خلقك فرضوا منك بذلك . اللهم إني أسألك اعوجاج الخلق علي حتى لا يكون لي ملجأ إلا إليك
وقال في لطائف المنن: اعلم أن أولياء الله حكمهم في بداياتهم أن يسلط الخلق عليهم ليظهروا من البقايا وتكمل فيهم المزايا ولئلا يساكنوا هذا الخلق باعتماد أو يميلوا إليهم باستناد ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه . ولذلك قال صلى الله عليه و سلم:"من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تقدروا فادعوا الله له". كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق وليتعلق بالملك الحق
وقول المصنف: أراد أن يزعجك الخ بمعنى ما قبله يعني أراد أن ينفرك من كل شيء سواه حتى لا يشغلك عنه سبحانه شيء . وذلك من أكبر النعم عليك من الله
قال أبو الحسن الشاذلي: آذاني إنسان مرة فضقت ذرعًا بذلك فنمت فرأيت يقال لي: من علامة الصديقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم