فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 251

وهذا أوان الشروع في المقصود . فأقول متوسلًا في القبول بحبيب الملك المعبود:

قال العارف رضي الله عنه:

من علامة الاعتمادِ على العَمَلِ نُقْصانُ الرَّجاءِ عند وجودِ الزَّللِ

يعني أن من علامات تعويل العامل على عمله أن ينقص رجاؤه في رحمة الله عند وجود زلله . ومفهومه رجحان الرجاء عند التحلي بالعمل والتخلي عن الزلل وهذه الحكمة إنما تناسب العارفين الذين يشاهدون أن الأعمال كلها من رب العالمين لملاحظتهم قوله سبحانه في كتابه المكنون: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ( 96 ) الصافات

ص 15

تَعْمَلُونَ فلا يعظم رجاؤهم بالأعمال الصالحة حيث إنهم لا يشاهدون لأنفسهم عملًا ولا ينقص أملهم في رحمة الله إذا قصروا في الطاعة أو اكتسبوا زللا لأنهم غرقى في بحار الرضا بالأقدار متمسكون بحبل قضاء { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } ( 68 ) القصص فإن الرضا بالقضاء واجب من حيث إرادته له ومذموم من حيث الكسب ما انفكت الجهة . وقد قال المصنف في بعض قصائده:

ولا يَمْنَعْهُ ذنبٌ من رَجَاءٍ فإنَّ الله غَفارُ الذُّنوب

وأما السالكون فإنما يناسبهم الفرح بصالح العمل وتقديم الخوف المستلزم لنقصان الرجاء عند وجود الزلل على حد قول الإمام الدردير:

وغَلِّبِ الخوفَ على الرجاءِ وسِرْ لمولاك بلا تناءِ

لا سيما في هذه الأزمنة التي رقت فيها الديانة وكثرت الجراءة على المعاصي وقلَّتْ فيه الأمانة . فإن الله تعالى جعل الأعمال الصالحة سببًا لرفع الدرجات بدار القرار والأعمال الطالحة موجبة للدرك الأسفل من النار قال تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ( 5 ) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ( 6 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ( 8 ) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ( 9 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ( 10 ) } الليل وإنما بدأ المصنف بما يناسب مقام العارفين وإن كان مقتضى الترقي البداءة بمقام السالكين من الحث على حسن المتاب والتمسك بالأسباب الموصلة إلى الكريم التواب ليكون السالك حسن البداية التي بها تشرق النهاية . فمقصوده بهذه الحكمة تنشيط السالك المجد في الأعمال ورفع همته عن الاعتماد عليها واعتماده على محض فضل ذي العزة والجلال . كما أشار لذلك ابن الفارض بقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت