مغيب عنك وما انقطعت عنه رؤيتك فذلك دليل على القبول . يشير إلى قوله تعالى: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } ( 10 ) فاطر
( 52 ) إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه ورادًا
أي إنما أورد الله عليك - أيها المريد - الوارد وهو ما يرد على قلبك من المعارف الربانية واللطائف الرحمانية . لتكون به أي بذلك الوارد المطهر لقلبك عليه سبحانه واردًا . فإن الحضرة منزهة عن كل قلب متكدر بالآثار متلوث بأقذار الأغيار . ولذا قال المصنف:
أي لا تطلب بأعمالك الصالحة عوضًا ولو في الآخرة . فإن الآخرة كون كالدنيا والأكوان متساوية في أنها أغيار وإن وجد في بعضها أنوار بل اطلب وجه الكريم المنان الذي كون الأكوان وفاءً بمقتضى العبودية وقيامًا بحقوق الربوبية لتحقق بمقام: { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى } ( 42 ) النجم . وهذا مقام العافين الذين رغبوا عن طلب الثواب ومحضوا النظر إلى الكريم الوهاب فتحققوا بمقام الإخلاص الناشئ عن التوحيد الخاص . وأما من فر من الرياء في عباداته وطلب بها الثواب فقد فر من كون إلى كون بلا ارتياب فهو كحمار الرحى أي الطاحون يسير ولا ينتقل عما سار منه لرجوعه إليه . وفي هذا التشبيه التنفير عن هذا الأمر ما لا مزيد عليه وانظر إلى قوله صلى الله عليه و سلم في الحديث الصحيح:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله"أي نية وقصدًا"فهجرته إلى الله ورسوله"أي صولًا . فلم يتحد الشرط والجزاء في المعنى . فقوله:"فهجرته إلى الله ورسوله"هو معنى الارتحال من
( 53 ) أورد عليك الوارد ليستلمك من يد الأغيار ويحررك من رق الآثار
فالأغيار والآثار التي هي من أعراض الدنيا وشهوات النفس غاصبة لك لحبك لها وسكونك إليها . فأورد عليك الوارد ليستلمك قهرًا من يد من غصبك ويحررك من ملكية من استرقك فتكون حينئذ صالحًا لعبوديته ومشاهدًا لعظمة ربوبيته . كما قال المصنف:
( 54 ) أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك
فإن وجودك الشبيه بالسجن هو شهودك لنفسك ومراعاتك لحظك . وشهودك الشبيه بالفضاء في السعة هو أن تغيب عن ذلك بمشاهدتك عظمة ربك . ولذا قال بعضهم: سجنُك نفسُك إذا خرجت منها وقعت في راحة الأبد
( 55 ) الأنوار مطايا القلوب والأسرار
أي أن الأنوار الإلهية التي ترد على قلب المريد وتحصل غالبًا من الأذكار والرياضات هي مطايا القلوب والأسرار جمع سر وهو باطن القلب أي