أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
وفي الاصطلاح: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله . وقد قيل للجنيد - وهو ابن سبع سنين - يا غلام ما الشكر ؟ فقال: أن لا يعصى الله بنعمه
( 65 ) خف من وجود إحسانه إليك ودوام إساءتك معه أن يكون ذلك استدراجًا لك { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ } ( 182 ) الأعراف
أي خف - أيها المؤمن - من وجود إحسانه سبحانه عليك مع دوام إساءتك معه بترك أوامره أن يكون ذلك استدراجًا أي تدريجًا لك شيئًا فشيئًا
ص 66
حتى يأخذك بغتة . فإن الخوف من الاستدراج بالنعم من صفات المؤمنين كما أن عدم الخوف منه مع الدوام على الإساءة من صفات الكافرين . قال تعالى: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ } ( 182 ) الأعراف أي لا يشعرون بذلك وهو أن يلقي في أوهامهم أنهم على شيء وليسوا كذلك يستدرجهم بذلك حتى يأخذهم بغتة . كما قال تعالى: { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ } إشارة إلى مخالفتهم وعصيانهم { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } أي فتحنا عليهم أبواب الرفاهية { حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا } من الحظوظ الدنيوية ولم يشكروا عليها { أَخَذْنَاهمْ بَغْتَةً } أي فجأة { فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ } ( 44 ) الأنعام أي آيسون قانطون من الرحمة . وقيل في قوله تعالى { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ } ( 182 ) الأعراف . نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها . فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا . ومن أنواع الاستدراج ما ذكره المصنف بقوله:
( 66 ) من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول: لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد . فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ولو لو يكن إلا منع المزيد . وقد يقام مقام البعد وهو لا يدري . ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد
يعني أن من جهل المريد بحقائق الأشياء أن يسيء الأدب إما مع الله بنحو الاعتراض عليه في أفعاله كأن يقول: ليت هذا الأمر لم يكن . وإما مع المشايخ بنحو الاعتراض عليهم وعدم قبول إشارتهم فيما يشيرون به عليه . وإما مع بعض الناس بنحو الازدراء بهم . فتؤخر العقوبة عنه أي عن ذلك المريد بأن لا يعاقب في ظاهره بالأسقام والبلايا ولا في باطنه بحسب زعمه