إلى الحق، وإنما سلكت مسلك الممارة لمجاراة أهواء الطغاة ومحاولة سدِّ أي بابٍ يمكن أن يثبت من خلاله كفرهم وردتهم حتى وإن كان ما يقترفون من الكفر أجلى من شمس الصائفة.
وعلى كل حالٍ فليسلِّم مَن شاء بالإجماع المحكي أو لا يسلِّم، وليعترف به أو يجادل، وليقر به أو يعترض، فإن التصريح بكفر مَن ظاهر الكفار على المسلمين ليس بدعًا من قول المجاهدين، ولا هو من تخرّصاتهم وابتكاراتهم، ولم تنتجه حماستهم ولا عواطفهم، فأقوال العلماء الثقات المؤتمنين واضحة جلية تنطق بالحق في ذلك وتصرِّح بهذا الحكم، والمجاهدون ليسوا ممن يقلِّبون أحكام الشرع وينقلبون عليها، ويشقِّقونها ويحوِّرونها كلما أزعجت الطغاة المتجبِّرين، كما أنهم لا يعتمدون في تقرير أحكام الشرع تبعًا لميولات الناس واستجابة لعواصف عواطفهم، فإن الحق يُتَّبع ولا يَتْبَع، فكلُّ من يسوِّد الصفحات ويستل بالمناقيش كوامن الشبهات لأجل خلخلة هذا الأمر فعليه أن يبدأ أولًا بما سطرته أنامل العلماء الأمناء الذين كتبوا ما كتبوا ولم يلتفتوا إلى رضا طاغية، ولم يدفعهم الجبن والخور (وحب الدنيا وكراهية الموت) إلى التلاعب بأحكام الشرع، وما دام المجاهدون لم يُحدِثوا هذا الحكم أو يبتكروه إذًا فما عليهم من سبيل: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الشورى/42] .
فمن المعلوم مدى شدة بغض عوام المسلمين لليهود، وكرههم لكل ما له علاقة بهم، ومجرّد إطلاق لفظ (يهودي) يعد عند المسلمين كافةً سبةً كفيلة بأن تستثير الكامِن وتغضب الحليم، فلذلك فلا تكاد تجد عالمًا واحدًا إلا وهو يشن عليهم الغارة -حتى هذه اللحظة - ويصرِّح بقبح التعامل معهم، كما حصل في البيان المتعلِّق بإغلاق ممر رفح إبَّان حرب غزة الأخيرة، والتي وقّع كثيرٌ من العلماء ومن سائر بقاع الأرض على كفر مَن يظاهر اليهود ويعينهم على ما يقومون به من جرائم، وأسهبوا في ذلك وأطنبوا، واستدلوا بأقوال العلماء ولم نسمع شيئًا من التخرّصات التي تولّدت في حق مسألة المظاهرة، والتي لو أراد المرء أن يطبّقها على ما فعل طاغية مصر من (مجرد) إغلاق ممر رفح لوجد له من الأعذار (المقنعة) أضعاف أضعاف ما يختلق ويُتكلّف في اصطناعه وإحداثه حينما يصل الأمر إلى مظاهرة الأمريكان الكفرة على المسلمين في أفغانستان أو العراق أو الصومال أو اليمن أو غيرها، حيث المظاهرة الجلية العلنية