إذا جارية (أي بنتٌ صغيرةٌ) قد خرجت من دارٍ قريبةٍ منها فأخذت ذلك الطائر الميّت ، وكما سألها ، كيف تأخذينه وهو ميت ؟ فأخبرته أنّها وأخاها فقيران لا يعلم بهما أحد ولا يجدان شيئًا يأكُلانه ، فأمر ابن المبارك بردِّ الأحمال وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار . فقال عّدَّ منها عشرين دينارًا تكفينا عودتنا ، وأعطها الباقي فهذا أفضل من حجّنا هذا العام ، ثمّ رجع فلم يحُجّ .
أرأيت الفقه .. فقيه وجد أنّ إنقاذ هذه الأسرة الفقيرة أفضل من حَجِّه .. هو ابن المبارك ، وأحيانًا تجد أبًا أولاده يتحرّقون على الزواج ، ويقول لك: أنا حججت ثمانٍ وثلاثين حجّة ، يكفيك حجّةٌ واحدة وأنفق على أولادك ، زوّجهم ، فهذا هو الفقه .. أن تعلم ماذا ينبغي أن تفعل ، أن تفعل الشيء المناسب في الوقت المناسب ، مع الرجل المناسب .
نلخّص الموضوع: بأنّ من أخطر الأمراض التي تصيب الأولاد الشعور بالنقص ، هذا الشعور بالنقص أحد أسبابه تعنيف الآباء الجاهلين ، أو الدلال المفرط الدرس الماضي ، أو المفاضلة بين الأولاد ، أو اليتم ، أو العاهة ، أو الفقر .. هذه أسباب الشعور بالنقص ، والمؤمن الكامل لا يفرّق بين طفل وسيم الطلعة وطفل دميم ، بين طفل ذكي وطفل أقلّ ذكاء ، بين طفل اجتماعي وآخر انعزالي ، يرعى الكّل ولا يفرّق بين أولاده فلعلّ الله سبحانه وتعالى يكرمه ، والحياة دار امتحان ، والآخرة دار تشريف ، والحمد لله ربّ العالمين .. وسوف ننتقل في درسٍ قادم إلى ظاهرةٍ من أخطر الظواهر التي تصيب الأولاد وهي: الحسد والغيرة . هذه ظاهرة تعاني منها معظم الأُسر.