أيها الأخوة الكرام لازلنا في سلسة تربية الأولاد في الإسلام ، ولا زلنا في القسم الثاني منها ، ولقد أنهينا في الدروس السابقة بفضل الله عز وجل الوسائل الفعالة في تربية الأولاد من القدوة الصالحة ، إلى التعويد والتلقين ، إلى الملاحظة ، إلى العقوبة ، إلى الوعظ والإرشاد .
ها نحن ننتقل إلى صفات المربي ، ننطلق من قاعدة تربوية أساسية أن فاقد الشيء لا يعطيه ، لا تنتظر أن يكون المتعلم على خلق إن لم يكن هذا الخلق موجودًا عند المعلم ، لذلك نبدأ بصفات المربي الأب ، أو المعلم ، أو من تصدى لتربية الأجيال ، ينبغي أن يعلم علم اليقين أن نجاحه في عمله لا يتحقق إلا إذا كان متصفًا بصفات أساسية ، منها الإخلاص .
حينما يخلص المعلم أو الأب في تربية ابنه أو تلميذه فالله سبحانه وتعالى يلهمه الأساليب الفعالة ، يجب أن تعتقد دائمًا أن الإنسان ضعيف ، وفقير ، وجاهل ، لكن إذا استعان بالله ألهمه الله رشده وصوابه ، ما من إنسان نجح في تربية أولاده ، وما من معلم نجح في تربية تلاميذه ، وما من شيخ نجح في تربية أخوانه إلا لأنه أخلص في خدمتهم ، ثمن إخلاصه أن الله يلهمه الصواب .
الله عز وجل قد يؤتي الحكمة ، وقد يعلمك كيف تؤثر بمن حولك ، وقد يعطي لكلامك قوة تأثير لا يعلم سببها ، نحن أحيانًا نجد إنسانًا لا يملك وسائل تربية ، لكن تقواه وصلاحه وإخلاصه لله ألهمه الله رشده .
ثمة قصة لا أستطيع أن أذكر تفاصيلها ، لكن إنسانًا يعمل في أقل عمل تتصوره ، ينقل الرمل والأسمنت على ظهره ، وهو غير متعلم ، مر أمام مسجد ، وسمع درس علم ، فطرب له ، تمنى أن يحوز شريطًا لهذا الدرس ، فلما حاز هذا الشريط كأنه ملك الدنيا ، بدأ يسمعه ، ثم حاز بعض الأشرطة ، هو يعمل حينًا في لبنان ، ثم ينتقل إلى بلده في أقصى الشمال الشرقي من بلدنا ، بدأ يدعو إلى الله بحسب ما سمع ، واستمر في الدعوة ، فإذا لفيف كبير حوله ، وإذا به يُلهم أساليب ناجحة جدًا في تربية من حوله ، ثم بدأ يقطف ثمار هذه الدعوة ، طبعًا على مدى سنوات عديدة ، قد تقترب من عشر سنوات ، مرة التقيت به ، وأصغيت إلى قوله ، وإلى أساليبه في الدعوة ، والله الشيء الذي لا يكاد يصدق أن الأساليب التي ألهمها يفتقر إليها كبار الدعاة ، ثم طلب العلم ، وطلب العلم ، وهو الآن على مشارف التخرج من مدرسة تعلم العلم الشرعي .
أنت حينما تخلص تأتيك طاقات كبيرة جدًا ، في الأساس لا تملكها ، لكن هذه الطاقات التي مكنك الله منها ، والتي زودك الله بها هي إكرام إلهي لإخلاصك الشديد ، لذلك أول صفة من صفات المربي أن يخلص ، القاضي إذا أخلص يلهم الصواب ، المعلم إذا أخلص يلهم الصواب ، الطبيب إذا أخلص يلهم تشخيص الداء التشخيص الصحيح ، ثم وصف الدواء الجيد ، المحامي إذا أخلص ، أخذ الحق من الظالم ، يُلهم المرافعة التي تقنع القاضي ، هذه قاعدة من أجلّ القواعد ، أنك إذا أخلصت كان الله