ويؤيده أن أهل مكة لما خرجوا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى منى في حجة الوداع ، قصروا أيضًا ، كما هو معروف مشهور في كتب الحديث والسيرة ، وبين مكة ومنى فرسخ ، كما في (معجم البلدان) .
قال جبلة بن سحيم: سمعت ابن عمر يقول: (لو خرجت ميلًا قصرت الصلاة) ، ذكره الحافظ وصححه.
ولا ينافي هذا ما في الموطأ وغيره بأسانيد صحيحة عن ابن عمر أنه كان يقصر في مسافة أكثر مما تقدم ، لأن ذلك فعل منه ، لاينفي القصر في أقل منها لو سافر إليها ، فهذه النصوص التي ذكرناها صريحة في جواز القصر في أقل منها ، فلا يجوز ردها ، مع دلالة الحديث على الأقل منها.
وقد قال الحافظ في الفتح: (وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه ، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر لا غاية السفر ، ولا يخفى بعد هذا الحمل ، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد قال"سألت أنسا عن قصر الصلاة وكنت أخرج إلى الكوفة - يعني من البصرة - أصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع ، فقال أنس فذكر الحديث ، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه . ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها ، ورده القرطبي بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به فأن كان المردود به أنه لا يحتج به في التحديد بثلاثة أميال فمسلم لكن لا يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ ، فإن الثلاثة أميال مندرجة فيها فيؤخذ بالأكثر احتياطا ، وقد روى ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن ابن حرملة قال"قلت لسعيد بن المسيب: أأقصر الصلاة وأفطر في بريد من المدينة ؟ قال: نعم"والله أعلم) ."
قلت: وإسناد هذا الأثر عند ابن أبي شيبة صحيح.