ومما سبق يتبين للقارىء الكريم خطأ قول الأستاذ الطنطاوي في تمام الفقرة الرابعة:"وإن المحدثين كالصيادلة والفقهاء كالأطباء ، والصيدلي يحفظ . . ."فإن هذه الكلمة على إطلاقها تجرد المحدثين من صنعة الفقه والفهم لما يحملون من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما أنها تجرد أيضًا الفقهاء من العلم والاطلاع على حديثه -صلى الله عليه وسلم-، ولا يخفى ما في ذلك من الطعن في الفريقين معًا. وأنا لا أنكر أن يكون في الفقهاء من هو أفقه من بعض المحدثين ، كيف وقد أشار لهذا قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور عنه:"نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره ، فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" (20) ولكن ليس معنى ذلك أنه يسوغ لنا وصف المحدثين إطلاقًا بعدم الفقه ، كما هو ظاهر عبارة الشيخ ، فإن الحديث المذكور صريح في ردها حيث قال:"رب حامل فقه ليس بفقيه . . ."فأشار إلى قلة ذلك في المحدثين ، لأن الأصل في"رب"أنها للتقليل ، وكيف لا يكون الأصل في حق المحدثين ما ذكرناه ، وهم ممن عاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" (21) قال ابن المديني: هم أصحاب الحديث ، والذين يتعاهدون مذهب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويذبون عن العلم ، لولاهم لأهلك الناس المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الأرجاء والرأي (22) .