فأقول: إنما يصح هذا الاستشكال لو كان في الحديث التصريح بأن الفيء مال مع بقاء الغمامة عليه -صلى الله عليه وسلم- ، وليس في الحديث شيء من هذا ، فمن الجائز أنه -صلى الله عليه وسلم- لما جلس عند الشجرة انكشفت الغمامة عنه ووقعت الشمس عليه فمال فيء الشجرة عليه ليظله بدل الغمامة ، وعليه فيكون قد ظهرت له -صلى الله عليه وسلم- في هذه القصة معجزتان الأولى تظليل الغمامة له ، والأخرى ميل الفيء عليه ، وهو -صلى الله عليه وسلم- أهل لذلك ولما هو أكثر منه بأبي هو وأمي -صلى الله عليه وسلم- ، نقول هذا وإن كنا لسنا والحمد لله من الذين ينسبون إليه -صلى الله عليه وسلم- ما هب ودب مما لم يصح من المعجزات ، فإن فيما صح منها ما يكفي ويشفي والحمد لله .
على أنه ينبغي أن لا ننسى أنه ليس في هذه القصة أن الغمامة كانت تظله دائمًا أينما سار وأينما نزل ، فإن هذا باطل قطعًا ، فهناك أحاديث كثيرة صحيحة تصرح بأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يستظل بالشجرة والخيام وغيرها ، وإنما وقعت هذه المعجزة في خروجه -صلى الله عليه وسلم- إلى الشام .
وخلاصة القول: إن تظليل الغمامة له صلى الله عليه وآله وسلم له أصل في السنة ، ولكن في ثبوته ما ألممت به من الخلاف ، والراجح عندي الصحة لما سبق ، فمن اقتنع بذلك فبها ، وإلا فحسبه التوقف وترك الجزم بالضعف ، وأما القول بأنه لا أصل له ، فلا أصل له .
محمد ناصر الدين الألباني
دمشق
18 ذي القعدة 1378 هـ
المصدر: مجلة المسلمون (6 / 793 - 797) .
(1) يعني الإمام مسلمًا صاحب الصحيح فإنه من نيسابور ، ولكن قرنه مع البخاري هنا وهم فإن مسلمًا لم يخرج له كما أفاده الذهبي نفسه في الميزان.