وكذلك ما أكرم اللَّه به نبيه عيسى من شفاء المرضى وإبراء الأعمى فيُبصر والأبرص فيُشفى وحتى إحياء الموتى، ولكن هذا كله بإذن الله، وهذا ما قاله نبيُّ اللَّه عيسى عليه السلام في قوله تعالى: {وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 49] .
وفي قصة أصحاب الأخدود عندما جاء جليس الملك وقد عمي إلى الغلام المؤمن بهدايا وقال له: (( ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي اللَّه تعالى ) ) [1] .
ولذلك من الخطأ العظيم وفساد الإيمان أن يقول الرجلُ: لولا الطبيب فلان لما شُفِيت، ولولا الدواء كذا ما عُفِيت، فإن الأسباب لا تعمل وحدها ولكنها تعمل بإذن اللَّه وتقديره؛ لأنه خالقها ومُقدِّرها، فما نزلَ المرضُ إلا بإذن اللَّه، وما نزل الدواء والشفاء إلا بإذن الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما أنزل اللَّهُ داءً إلا أنزل له شفاء ) ) [2] .
وقال أيضًا: (( لكل داءٍ دواءٌ، فإذا أُصِيبَ دَوَاءُ الداءِ بَرأَ بإذن الله عز وجل ) ) [3] . فكم من مريض عوفي بإذن الله بعدما عجز الأطباء أمام مرضه، وكم من طبيب أُصيب بالمرض الذي كان يُداوي منه الناس، وكان فيه هلاكه، ولم يجد من يداويه. ولله درُّ القائل:
قل للمريض عُوفي بعدما ... عجزت فنون الطب من عافاكا
قل للصحيح يموت لا من علة ... من بالمنايا يا صحيح دهاكا
قل للطبيب تخطفته يدُ الردَى ... يا شافي الأسقام [4] من أرداكا
ثانيًا: المرض جندي من جنود اللَّه:
(1) رواه مسلم.
(2) رواه مسلم في (( السلام ) ) (10/ 134) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) رواه مسلم في (( السلام ) ) (4/ 1729) من حديث جابر رضي الله عنه.
(4) قيلت للطبيب لفظة (( يا شافي ) )على سبيل التهكم والسخرية إذ مرض فلم يملك لنفسه شفاءً، وقد كان يظن أنه يشفي الناس ولا شافي إلا اللَّه عز وجل.