قال ابن كثير رحمه اللَّه: (( وقوله: {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج: 62] كما قال: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] ، وقال: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 9] فكل شيءٍ تحت قهره وسلطانه وعظمته لا إله إلا هو ولا رب سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه تعالى وتقدس، وتنزَّه عزَّ وجلَّ عما يقول الظالمون المعتدون علوًا كبيرًا [1] .
فتعالى اللَّهُ عما يقول الجهميةُ وأشباهُهُم أن اللَّهَ في كل مكان، وأنه أعلى وأسفل ووسط ومع كل شيء وفي كل موضع من أرض وسماء وفي أجواف جميع الحيوان، تعالى اللَّه عما يقولون علوًا كبيرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه: (( وهو سبحانه وصف نفسه بالعلو، وهو من صفات المدح له بذلك، والتعظيم؛ لأنه من صفات الكمال كما مدح نفسه بأنه العظيم، والعليم، والقدير والعزيز والحليم ونحو ذلك وأنه الحي القيوم، ونحو ذلك من معاني أسمائه الحسنى فلا يجوز أن يتصف بأضداد هذه الصفات ) ).
فلا يجوز أن يوصف بضد الحياة والقيومية والعلم والقدرة مثل الموت والنوم والجهل والعجز واللغوب ولا بضد العِزة وهو الذُّل ولا بضد الحكمة وهو السفه، فكذلك لا يُوصف بضد العلو وهو السفول، ولا بضد العظيم وهو الحقير، بل هو سبحانه مُنزَّه عن هذه النقائص المنافية لصفات الكمال الثابتة له، فثبوت الكمال له ينفي اتصافه بأضدادها وهي النقائص [2] . اهـ.
وقال ابن القيم رحمه اللَّه:
هذا ومن توحيدهم إثبات أو ... صاف الكمال لربنا الرحمن
كعلوِّه سبحانه فوق السمـ ... ـاوات العُلى بل فوق كل مكان
فهو العليُّ بذاته سبحانه ... إذ يستحيل خلافُ ذا ببيان
وهو الذي حقًا على العرش استوى ... قد قام بالتدبير للأكوان
(1) تفسير ابن كثير (3/ 222، 223) .
(2) مجموع الفتاوى )) (16/ 97 - 98) .