جاء السؤال هنا عن ماهية الهلال (شكله) فموضوع السؤال بيان السبب في تقلب احوال الهلال (( فقالوا في السؤال مابال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط ثم يتزايد قليلًا حتى يستدير ويستوي ثم لايزال ينقص حتى يعود كما بدأ فأجيبوا بما ترى ) ) [1] . وقد ذكر الواحدي [2] قرينة خارجية متعلقة بسبب النزول تؤكد هذا المنحى في السؤال، ولما كان الاستفهام بنية ناقصة تحتاج الى استكمالها بالاجابة فأن السياق يستعمل هذه الآلية ليتحقق دعمًا بنائيًا
للهدف الذي يبتغي النص قوله، فالسؤال كان عن شكل الهلال، إلا أن الاجابة جاءت
لتخرق توقع المتلقي، وتفتح افقه الذهني المحدود من الاهتمام بظواهر الامور إلى (( بيان الحكمة الظاهرة اللائقة بشأن التبليغ العام المذكرة لنعمة الله ومزية رأفته سبحانه، وهي
ان يكون معلمًا للناس يوقتون بها امورهم الدنيوية ويعلمون بها اوقات زروعهم ومتاجرهم ومعالم للعبادات الموقتة يعرف بها اوقاتها كالصيام والافطار وخصوصًا الحج فان الوقت مراعى فيه أداءً أو قضاءً )) [3] . ونلحظ كيف ان الجواب جاء (( بغير ما يترقب المخاطب تنبيهًا على انه الاولى بالقصد ) ) [4] ، فتكون في الجواب اشارة الى ان الأولى أن
يتوجه السؤال عن الاثر الذي يتحقق من هذه الصور التي يتقلب عليها الهلال، فنلحظ كيف ان هذه الآلية تسهم في النفوذ الى ذهن المخاطب من خلال الافادة من اصغائه للتنبيه
على جزئية اخرى مهمة متعلقة بالجواب. وقد علل ابن عاشور العدول عن الجواب
(في بيان السبب من تقلب الهلال) بقوله: (( انه لو تعرض صاحب الشريعة لبيانه لبين
اشياء من حقائق العلم لم تكن معروفة عندهم ولا تقبلها عقولهم، يومئذ ولكان ذلك ذريعة
الى طعن المشركين والمنافقين بتكذيبه )) [5] ، ولابد من ان نشير إلى أن تصدير الجواب
بفعل الامر (قل) الذي توجه الى الرسول محمد (- صلى الله عليه وسلم -) وهو المسؤول على الحقيقة كأن
فيه إعراضًا عن السائلين وإشارة الى أهمية ما يتضمنه مقول القول، والى وجود مأمور ممتثل لفعل الامر الصادر من الذات الالهية. ففي الإعراض عنهم بيان سطحية سؤالهم
الذي تقابله عمق الاجابة، ومن ثم جاء العطف على بنية الجواب بحرف الواو بقوله تعالى:
(1) فتح القدير: 1/ 189، و=: الكشاف: 1/ 340، التحرير والتنوير: 2/ 195، مفتاح العلوم / 156.
(2) أسباب النزول / 52.
(3) الكشاف: 1/ 340.
(4) فتح القدير: 1/ 189؛ و=: البرهان: 4/ 50؛ والإيضاح / 146.
(5) التحرير والتنوير: 2/ 195.