تمتد افاق التصور عن انواع المتلقين انطلاقًا من تشكلات الخطاب في النص القرآني وتتركز فاعلية النص في إنشاء وعي المخاطبين، او تشكيله وتحقيق أثر القول فيهم، فالنص القرآني يعنى بالمتلقي عند تأليفه لعناصره الاقناعية، وكثيرًا ما يحدد النص القرآني شكلًا للمتلقي بطرائق متعددة، وهذا التحديد يتفاعل مع معطيات النص في توليد البعد التأويلي، كونه يدخل عنصرًا من عناصر بناء النص، فمن خلال خصوصية توجيه الخطاب تتضح للقارئ معالم تأويلية يستنبطها من النص نفسه، ويكتشف من خلالها اتساع افق النص في التعامل معه، فضلًا عن كونها توجد لديه أثارًا لمفاهيم جديدة لا يصرح النص بها بل يقولها ضمنًا، وانطلاقًا من خصوصية النص القرآني، فإن الخطاب فيه يبتغي الإقناع ويهدف الى صياغة واقع جديد؛ (( لان الغرض الأكبر للقرآن هو إصلاح الامة باسرها فإصلاح كفارها بدعوتهم الى الايمان، واصلاح المؤمنين بتقويم اخلاقهم وتثبيتهم على هداهم وإرشادهم الى طرق النجاح وتزكية نفوسهم ) ) [1] ، وقد أعطي المخاطب في القرآن الكريم أهمية خاصة لإكساب النص دلالة متفاعلة، ذلك ان شكل الاتصال بالناس على اختلاف مستوياتهم، وتحقيق تفاعلهم مع المعطيات الجديدة، يتطلب استراتيجية خاصة يتحول بموجبها الخطاب الى علم يحمل دلالات مزدوجة، من هنا عد الزركشي المخاطبات في القرآن علمًا من
علومه، فصنف الخطاب استنادًا الى انواع المخاطبين داخل النص الى (( خطاب تهييج وإغضاب وتشجيع وتحريض وتنفير وتحبيب وتعجيز وتحسير وتكذيب وتشريف ) ) [2] ، ويجعل الغزالي عنوان مبحث له: في طريق فهم المراد من الخطاب [3] ، فيقرر منذ المنطلق ان اللغة معطى موضوع يعرف معناه بسبب تقديم المعرفة بالمواضعة ثم يفكك عناصر التخاطب الدلالي إلى ركائز ثلاث: المتكلم وما نسمعه من كلامه، ثم مراده من كلامه، وهي دعائم الباث وبنية الدوال وبنية المدلولات، وثلاثتها تتضمن في صلبها بطريقة طبيعية عنصرًا رابعًا هو عنصر المتقبل [4] (( ان طريقة فهم المراد هو تقديم المعرفة بوضع اللغة التي بها المخاطبة ) ) [5] ؛
(1) التحرير والتنوير: 1/ 18.
(2) البرهان في علوم القرآن: 2/ 217.
(3) المستصفى: 1/ 148.
(4) التفكير اللساني في الحضارة العربية، عبد السلام المسدي /124.
(5) المستصفى: 1/ 148.