والنون التي اتصلت بالفعل المضارع احالت الفعل ليبدو كأنه قسم محقق؛ فحملت
العبارة معنى الحسم والشدة والقوة في الاجراء المتخذ حيال الجرم الذي افترض
النص وقوعه من لدن المخاطب وهو لا يتوارد عليه مثل ذلك الفعل؛ فيكون
(( في هذا الانذار الشديد الموجه من اللَّه تعالى الى نبي الرحمة المؤيد منه بالكرامة
والعصمة وعيد وتشديد على الامة على حد (اياك اعني واسمعي يا جارة) فإن
الله تعالى يخاطب الناس كافة في شخص النبي (- صلى الله عليه وسلم -) كما جرى عرف التخاطب مع
الرؤوساء والزعماء )) [1] ، وقد جاء التعبير بالماضي، ليدل بلفظه على ان من وقع
في الشرك فقد ضر ولتتوسع مساحة التهديد وبعث النفرة في نفوس المتلقي. وقد يأتي
المعنى المقصود من ايجاد اواصر بين النص والمتلقي الاول ففي قوله تعالى:
(فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ
فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [الآية 94 / سورة يونس] .
تنبثق لدينا مستويات من الدلالة تتولد من وجهة الخطاب الذي اتخذ شكل المعادلة المتحققة باسلوب الشرط بالاداة (إن) التي افترضت بفعل الشرط (كنت في شك) المتوجه للرسول (- صلى الله عليه وسلم -) الذي لا يتوارد عليه معنى الشك (انه شاك) والذي هو (( الوقوف بين نقيضين من غير تقوية احدهما على الآخر ) ) [2] ، في حقيقة ما انزل اليك اهو الحق ام لا؟،
وتتصدر الفاء الدالة على التعقيب هنا الطرف الثاني من المعادلة لبيان الجواب (فأسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك) ؛ فيكون في باطن النص مستوى آخر للمتلقي الذي يراد خطابه، وهم أهل الكتاب ومن يسير على هديهم؛ فتوجيهه لسؤالهم دلالة على انه لا يستطيع القراءة. كما أن فيه إثباتًا للوحي وتكذيبًا للذين يقرؤون الكتاب ولا يقرون بالرسول (- صلى الله عليه وسلم -) وبما جاء به بأنه الحق كما ان فيه إشارة الى ان الذين يقرؤون الكتب الخاصة بالانبياء (عليهم السلام) والذين يدعون اتباعهم لهم يعلمون بما جاء به محمد (- صلى الله عليه وسلم -) وان ما انزل عليه فيه ما يؤيده ما هو موجود في كتبهم الا انهم ينكرون هذه الحقيقة من هنا صلحت مسألتهم؛ فوصفهم بالاسم الموصول
وصلته الفعل المضارع (الذين يقرؤون) فيه توبيخ لهم بوصفهم مستمرين على فعل القراءة من
(1) تفسير المنار: 1/ 445.
(2) الفروق اللغوية /79.