الصفحة 63 من 281

غير ان تجدي قراءتهم نفعًا، وقد خاطبهم بهذه الطريقة بان وجه الخطاب لمن لا يتصور

منه الشك (( ولذا عبر بـ(أن) التي تستعمل غالبًا فيما لا تحقق له حتى تستعمل في

المستحيل عقلًا .. )) [1] ؛ فيكون بذلك استقرار حاصل المحاورة في نفوسهم امكن

مما لو القي اليهم مواجهةً [2] ، ثم يأتي الجواب بالحقيقة الحاسمة بأدوات التوكيد

(لقد جاءك الحق من ربك) ، فـ (لام) القسم و (قد) جاءتا لدفع إنكار المنكرين فما انزل

عليه الحق وما عندهم يؤيده؛ فافتراض وقوع الشك ممن لا يقع منه الشك، أرشدت

الى ما يقطع دابر هذا الشك ليكون الايمان عن حجة وبرهان لا خضوعًا لقهر واستسلامًا

لتقليد، وبذلك يخلع الانسان نفسه من طائفة الشاكين المكذبين بعد ان ثبت لديهم

الحق الذي تقدم الاخبار عنه من أمر القبلة، وعناد من كتم النبوة واقناعهم عن الاجتماع

على ما قامت به الحجة. فالخطاب وان كان موجهًا الى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) المراد به

امته [3] ؛ فالخطاب فيه حياد عن المخاطب المقصود الى مخاطب آخر بقصد التأثير في المخاطب المقصود.

الخطاب (ظاهره) ... الرسول (- صلى الله عليه وسلم -)

باطنه ... تهديد لمن يقع منه الشك

فظاهر النص خطاب للرسول (- صلى الله عليه وسلم -) وباطنه تهديد لكن من يقع منه شك في الوحي،

وان كان الخطاب في ظاهره محصور في مخاطب واحد الا انه مفتوح في باطنه على كل

من يستمع القول. وفي قوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ)

[الآية 45 / سورة الزخرف] .

فهذا القول يحتمل التأويل من جانبين الاول: وجهة الخطاب لمن يعرف الحقيقة التي

يراد تأكيدها، وهي (التوحيد) وهو الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) . والثاني: لكون الجهة التي يراد سؤالها

(1) روح المعاني:11/ 189.

(2) التحرير والتنوير:11/ 285.

(3) =: التبيان في تفسير القرآن: 2/ 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت