فهرس الكتاب
فالبنى الاستفهامية التي توجهت الى الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) وقوامها الاستفهام بالاداة (هل)
التي تستعمل في (( قضية علم صدقها لكن لا يعلم هل الموضوع ماهيته كذا .. كما تكون
في القضايا التي جهل صدقها؛ فوجب تحديد ماهيتها او حدها او رسمها .. وجوابها يكون بـ (إن) او (أن) وهو يفيد الثبوت والدوام والكمال في الوجود وفي العلم بالشيء .. )) [1] ،
الا ان السؤال هنا خرج عن مقصديته العامة في طلب الاجابة لكون الجهة السائلة هو
اللَّه سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء؛ فيكون المراد معنى آخر من ورائه كأن يكون
(( تفخيمًا لأمر القصة بتخصص الخطاب لأعلى الخلق وانفذهم فهمًا إشارة الى انه لا يفهم
هذا حق فهمه سواه على طريق الاستفهام على عادة العرب في الاعلام بالامور الماضية
وإن كان المخبر عالمًا بأن المخاطب لا علم له بذلك؛ لأن المقصود ليس الا التنبيه على
ان ذلك الامر مما ينبغي الاهتمام به والبحث فيه، ليعرف ما فيه من الامور الجليلة )) [2] .
فقد حقق الاستفهام داخل النص بؤرة توتر تحتاج الى التنبيه اليها؛ وذلك لفاعلية الاستفهام
التي يراد بها إشراك المخاطب في الأمر، لان الاستفهام يستدعي يقظة ذهنية تقتضي
التنبه إلى ما يليها للإجابة، وقد تكون هنا لخصوصية السائل والمسؤول وطبيعة الاجابة
إشارة الى ان هذا الذي يحدثهم به الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ليس مما علمه هو بغير الوحي الا ان
تموضع هذه البنى الاستفهامية وما حوته يستوقفنا فقد كان السياق السابق مشغولًا بالقسم
الذي (( كان فيه اثبات الجزاء لفظًا(بالقسم) ومعنى بما في المقسم به من التلويح الى
القدرة البالغة مدمجًا فيها صدق المبلغ، وقضي الوطر من تفصيله مهد لاثبات النبوة
وأن هذا الاتي الصادق حقيق بالاتباع لما معه من المعجزات الباهرة )) [3] ؛ فقد كان
في الانتقال من الانذار والموعظة والاستدلال الى الاعتبار باحوال الامم الماضية
المماثلة للمخاطبين المشركين في الكفر وتكذيب الرسل، من هنا فقد كانت قصة
ابراهيم (- عليه السلام -) مع الضيف توطئة .. للمقصود من ذكر ما حل بقوم لوط (- عليه السلام -) حين
كذبوا رسولهم .. فقد وصف في السياق السابق المشركين بانهم في غمرتهم ساهون
فكانوا في تلك الغمرة اشبه بقوم لوط (- عليه السلام -) ، إذ قال اللَّه تعالى فيهم: (لعمرك انهم لفي
(1) بلاغة السؤال وسؤال البلاغة، عز الدين الخطابي وأدريس كثير، مجلة علامات، العدد 28، م7، 1998/ 344.
(2) نظم الدرر: 18/ 461.
(3) روح المعاني: 27/ 11.