ولقد تراءى لي أن الأحرف (الهيجانية) آنفة الذكر، هي من مستحاثاتنا اللغوية التي ورثناها عن مرحلة لغوية مغرقة في القدم، كان الإنسان العربي خلالها كغيره ممن ينتمون إلى المراحل الغابية البكر يعتمد الأصوات الهيجانية والحركات الجسمية (اللاإرادية) . وهذا يثبت صحة (النظرية الغريزية) في نشأة اللغات التي رفضها الدكتور (وافي) لأن القائلين بها لم يحظوا بمثل هذه الشواهد من مستحاثاتنا اللغوية الفطرية (علم اللغة(24) ص 100 -102). فنحن لا نزال حتى الآن نوظف الخصائص (الهيجانية) لهذه الأحرف للتعبير عن بعض المعاني التي كان يتداولها الإنسان العربي الفجر في فجر المرحلة الغابية. وذلك كما في (الهمزة) التي كان يفيد من خاصية الانفجار في صوتها للفت الانتباه إلى خطر ما أو منفعة أو التعبير عن حالة نفسية، فأصبح يفيد من خاصية الانفجار هذه بلفت انتباه السامع (للنداء والاستفهام) ، وغير ذلك من المعاني في (حروف المعاني والضمائر وأسماء الإشارة..) .
لقد أطلقت مصطلح (الهيجاني) على (الهمزة) للطابع الانفجاري في صوتها. كما أطلقته على أحرف (ا -و -ي) للطابع الغوغائي في أصواتها. ولهذا السبب أطلق علماء اللغة عليها مصطلح (الصائتة) تارة و (الجوفية) تارة أخرى. وذلك لقلة تدخل جهاز النطق في إصدار أصواتها. مما يثبت انتماءها إلى المرحلة اللغوية الغريزية الغابية.
كما أن الأحرف (الإيمائية التمثيلية) هي أيضًا من مستحاثاتنا اللغوية قد ورثناها عن مرحلة حياتية أقل غورًا في التاريخ وأكثر تطورًا من مرحلة الأحرف (الهيجانية) الغابية.