الصفحة 144 من 337

إذن، لقد أدرك ابن جني بحسه المرهف أن الفونيمات تلعب دورًا هامًا في الدلالة، وأن الإبدال الذي يحصل بينها يولد دلالة جديدة. ونلاحظ ذلك في: خضم وقضم، ونضح ونضخ. فالخاء في المثال الأول تدل على الرخاوة، وبالتالي جاء الفعل خضم )) للدلالة على أكل الرطب، والقاف تدل على الشدة ومن ثم جاء الفعل قضم )) للدلالة على أكل اليابس. والشيء نفسه ينسحب على المثال الثاني، فالحاء لرقتها جعلت من الفعل نضح )) يدل على تسرب السائل في تأن وبطء، والخاء لغلظها جعلت من الفعل نضخ )) يدل على فوران السائل في قوة وعنف.

ويعزز ابن جني رأيه هذا بقوله: ومن ذلك القد طولا، والقط عرضا. وذلك أن الطاء أحصر للصوت وأسرع قطعا له من الدال. فجعلوا الطاء المناجزة لقطع العرض لقربه وسرعته، والدال المماطلة لما طال من الأثر وهو قطعه طولا )) . (5)

ومن ذلك أيضًا قوله في المحتسب )): القبض بالضاض معجمة باليد كلها، وبالصاد غير معجمة بأطراف الأصابع. وذلك أن الضاد لتفشيها واستطالة مخرجها جعلت عبارة عن الأكثر، والصاد لصفائها وانحصار مخرجها وضيق محلها جعلت عبارة عن الأقل )) . (6)

ويورد ابن جني أمثلة كثيرة من هذا القبيل تدعم رأيه هذا، حرصًا منه على اكتشاف المجهول من أسرار اللغة، وإماطة الغطاء عن الحقائق المستورة والعلل الخفية من خصائصها، وهذا كله عن طريق التأمل، وترديد الفكر، وكد النظر.

كما نظر ابن جني في الصوائت الحركات) ووجد أنها تلعب هي الأخرى الدور نفسه الذي تلعبه الصوامت، وأن إبدال الصوائت Apophonie يلعب هو الآخر دورًا مهمًا في أداء دلالات مختلفة. فمن ذلك قوله: الذّل في الدابة ضد الصعوبة، والذّل للإنسان وهو ضد العز، وكأنهم اختاروا للفصل بينهما الضمة للإنسان، والكسرة للدابة، لأن ما يلحق الإنسان أكبر قدرًا مما يلحق الدَّابة )) . (7)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت