وبنظرته الفاحصة هذه يكون ابن جني قد حاز شرف السبق إلى مثل هذا التحليل، متقدمًا بذلك جميع علماء اللغة المحدثين. فهذا الفيلسوف الهولندي بوص )) Pos يذهب إلى ما ذهب إليه ابن جني بخصوص القيمة الدلالية للصوت الفونيم). فهو يرى أن الانتقال من الفونيم الذي يدل على نفسه بنفسه إلى الكلمة التي تدل على شيء آخر لا يعد انتقالًا كبيرًا، وبخاصة إذا وضع الإنسان في اعتباره-ولأول مرة- أن الكلمات تتألف من فونيمات، وأن المعاني الناتجة عن وضع الكلمات في تراكيب معينة تختلف اختلافًا جذريًا عن معاني الكلمات وهي مفردة )) . (8)
فالذي يعنيه بوص )) بكلامه هذا هو أن الفونيم هو الذي يوحي بدلالة الكلمة، كما أن هذه الأخيرة هي التي توحي بدلالة الجملة.
كما نجد أن نظرة ابن جني هذه قد سبقت نظرة اللغوي الإنجليزي الشهير فيرث )) Firth الذي تحدث عما أسماه الوظيفة الفوناستيتيكية )) ، Phonaesthetic Function، ويعني بذلك تلك العلاقة القائمة بين الكلمات التي تبدأ بحرفين، مثل: ST أو SN أو SL وذلك في مثل: (9)
قلت، يذهب فيرث )) إلى أن الكلمات التي تبدأ بحرفي ST أو SN أو SL تنتمي كل مجموعة منها إلى معنى عام. وهي نظرة نجدها كذلك عند ابن جني حين قال:
واستعملوا تركيب ج ب ل) وج ب ن) و ج ب ر) لتقاربها في موضع واحد، وهو الالتئام والتماسك. منه: الجبل لقوته وتماسكه، وجبن إذا استمسك وتوقف وتجمع، ومنه جبرت العظم ونحوه إذا قويته )) . (10)
وإذا أمعنا النظر في هذه الكلمات فإننا سنجد ما يلي: