ففي قوله تعالى: (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ((25) ، إن الله تعالى لا يوصف بالذهاب مع النور، فأولت بأنه يجوز أن الله تعالى وصف نفسه بالمجيء في قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ((26) وهذا ظاهر البعد، ويؤيدهُ أن باء التعدية بمعنى الهمزة قراءة"أذهب الله نورهم"وهذه المصطلحات الدلالية لحروف المعاني، كثيرًا ما تستبدل بمصطلحات أخرى، لأن الأولى لا تناسب السياقات القرآنية، فقد قالوا: إن من معاني الباء: الاستعانة، وهي داخلة على الفعل، بسم الله الرحمن الرحيم (27) .
وقالوا:"إن الباء هنا للسببية، وهي عندهم الداخلة على صالح للاستفادة به عن فاعل معداها مجازًا (28) نحو قوله تعالى: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ((29) فلو قصد إسناد الإخراج إلى الهاء لحسن، ولكنه مجاز، قال: ومنه: كتبت بالقلم وقطعت بالسكين. ومن هنا دل المورفيم على المجاز، والنحويون يعبرون عن هذه الباء بالاستعانة ولكنهم آثروا على ذلك التعبير بالسببية من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى، لأن استعمال مصطلح السببية يجوز، أما استعمال مصطلح الاستعانة فلا يجوز على الله، وتعدد المصطلحات للمورفيم الواحد هو إتيانه في القرآن الكريم بهذه الدلالات التي يحددها السياق الذي يقلب الحرف بحرف آخر حسب اختلاف دلالة السياق إذا تعددت المعاني للحرف الواحد، فمن أخذ دلالة هذه الحروف على ظاهرها، قال: نصف الله بما وصف به نفسه، وهو عندي هروب من التأويل، ومن أول أعطاها دلالة أخرى حسب الاستعمال وهو الأقرب والأصوب."
وقال الزمخشري في تفسيره لهذه الآية:"قلت: المعنى أنه جعل الماء سببًا في خروج الثمرات ومادة لها كماء الفحل في خلق الولد، وهو قادر على أن ينشئ الأجناس كلها بلا أسباب ولا مواد... ولكن له في ذلك حِكَم ودواع... وعبر وأفكار صالحة... وسُكون إلى عظيم قدرته وغرائب حكمته" (30) .