وقد تعرض الزمخشري لدلالة"مِنْ"في قوله تعالى:"... من الثمرات"واعتبر دلالتها على التبعيض، ومن القرائن المنفصلة عن النص، والتي تصرف دلالتها إلى التبعيض قوله تعالى: (لَهُ فِيْهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ((31) وقوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ((32) ، ولذا قيل إن اللفظ قد يحدث له مع التركيب حكم لم يكن قبل ذلك، وهذا الحكم الدلالي، تتحكم فيه القرائن الشرعية والعقلية، والدليل على ذلك أن اعتبار اللفظ أو الحرف على ما وضع له أَوَّلًا، لا يسعفنا في كثير من النصوص، فلا بد والحال هذه أن نلجأ إلى ما يسمى عند المحدثين بالاستبدال الدلالي، وأطلق النحاة القدامى عليه المجاوزة، ولعلهم يعنون بها المجاز، فتكو ن"مِنْ"بمعنى"عن"كقوله تعالى: (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ((33) أي عن جوع والجوع لا يطعم منه، وقوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ((34) ، أي عن ذكر الله، ولذا قرئ: عن ذكر الله، وهذا دليل على أن القراءات في غالبها، وهذا في الدلالة طبعًا، لم تخرج عن الدلالة النحوية، قال الزمخشري: "ما الفرق بين"مِنْ"وَ"عَنْ"في هذا؟ قلت: إذا قلت: قسا قلبه من ذكر الله فالمعنى ما ذكرت من أن القسوة من أجل الذكر وبسببه، وإذا قلت عن ذكر الله، فالمعنى غلظ عن قبول الذكر وجفا عنه، ونظيره: سقاه من العيمة أي من أجل عطشه، وسقاه عن العيمة، إذا أرواه حتى أبعده عن العطش" (35) .