وقد استغل المعتزلة (66) الظاهرة اللغوية ودلالة حروف المعاني أثناء تعرضهم لآيات الأحكام، كما استغلها غيرهم أيضًا، فالتخصيص بالاستثناء بعد الجمل المتعاطفة بالواو -مثلًا -اختلف فيه علماء الأصول، وذلك كقوله: أنفق على حفاظ القرآن وأوقف على طلاب العلم إلا المقيمين، اختلفوا في ذلك: هل يعود الاستثناء إلى جميع ما ذكر قبل إلا؟ أو يعود إلى الجملة الأخيرة فحسب؟
فإذا لم تكن هناك قرينة تدل على أن المراد هو الجملة الأخيرة فهو الأولى، فإنه في هذه يقع الاختلاف في الدلالة، ومنه يلجأ إلى التأويل ومثل السرخسي لما دلت القرينة على صرفه بقوله تعالى: (وَالذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَ ثامًا يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَة وَيخْلُدْ فِيْهَ مُهَانًا إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا((67) ، فإنه استثناء من الجميع" (68) لأن التوبة تقبل من الجميع اتفاقًا، وهذا المعنى مأخوذ من نصوص وأدلة أخرى كقرائن صارفة، وهذا فيما يتعلق بالتوبة، أما ما دلت القرينة على رجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط كقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصّدَّقُوا((69) ، فإن الاستثناء في هذه الآية يرجع إلى الجملة الأخيرة، لأن تحرير الرقبة حق الله فلا يسقط بإسقاطهم (70) ، لأن القرينة شرعية، أما إذا اختلفت الأدلة ولم يوجد ما يرجّح أحد المعنيين، فعندئذ يقع الخلاف والتأويل."