وأقول إنَّ التكلف قد بدا في بعض الشواهد للتدليل على أنّ الجواب للأول خلافًا للقاعدة التي اعتمدها معظم النحويين في بحث التنازع، بل إنّ هذا الباب غير ذاك، فثمة دلائل حسية ترجّح الوجه الصحيح، فما المانع من أن يكون الجواب للثاني إذا كان في الجواب ما يدل على ذلك أليست الفاء تقترن بجواب الشرط، واللام تقع في جواب (لو) و (لولا) ؟
ثم إنّ ثمةَ جانبًا لم يقف عليه القدماء، وفي قراءته ما يدلّل على صحة ما نقول، وهو اجتماع الناسخ والشرط، وكلّ منهما يحتاج إلى ما يتممه، وفي هذا سنجد أنّ الدليل الحسّي هو الذي رجّح وجهًا على آخر، وقد اخترت عددًا قليلًا من الأبيات للتدليل على هذا، فثمة شواهد لا تُحصى في هذا الجانب.
قال هدبة بن الخشرم:
محبّ وأني إن نأتْ سوف أمدحُ
فلم يبق مّما بيننا غير أنني
لها أن يراها الناظر المتصفِّحُ
وعهدي بها والحيُّ يدعون غِرة
إذا حاولت مشيًا نزيفٌ مُرنَّحُ ( [4] )
من الخفرات البيض تحسب أنها
فقوله سوف أمدح خبر (أنّ) لا جواب شرط، لو كانت كذلك لاقترنت بالفاء، وكذلك البيت الثالث.
ومثله قول عبيد بن الأبرص:
سيعلقُه حبلُ المنيّة في غدِ ( [5] )
فمن لم يمتْ في اليوم لا بدّ أنه
و (من) هي اسم موصول لا شرط، وإلاّ اقترن جوابه بالفاء، في قوله (لا بدّ) كقول ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحميّر:
فلا بدّ يومًا أن يُرى وهو صابر ( [6] )
وما كان مما يحدث الدهرُ جازعًا
أما قول عدي بن زيد:
متى لا يَبنْ في اليوم يصرمْك في الغد ( [7] )
وعدّ سواه القول واعلمْ بأنه
فجملة (يصرمك) جواب (متى) لا خبر أنّ.
ومثله قول حاتم الطائي:
عليكَ فلن تُلفي لك الدهر مكرما ( [8] )
فنفسَك أكرمها فإنَّك إن تَهُنْ
فالجواب (فلن) للشرط، لا خبر إنّ.
وقول طرفة بن العبد:
متى يكُ أمرٌ للنكيثة أشهد ( [9] )
وقربت بالقربى وجدّك إنني
وقول تأبط شرًا:
وهل يُلقينْ من غيَّبتْهُ من المقابرُ
وإنك لولا قيتني بعد ما ترى