الصفحة 260 من 337

على الرغم من أن نظام المعجم العربي يقوم على أساس أصل الفعل المجرد، فإن علماء العربية مختلفون حول موضوع التقدم بين المصدر والفعل. فيرى علماء البصرة أن المصدر يتقدم، في حين يرى علماء الكوفة أن الفعل يتقدم. وبهذا الصدد كتب الأستاذ زكي الأرسوزي ما يلي:"إن الصوت يستدعي إليه الانتباه ويبعث في الوجدان معنى معًا، فإذا كان الذهن العربي قد صنع أول ما صنع الأفعال بالشدة أو بالتكرار، نحو (خرَ) الماء خريرًا. أو (خرخر) ثم اشتق الأسماء والمصادر من الأفعال، فإن هذا لا يعني أن الفعل يتقدم على الحدس المعبر عنه بالمصدر إلا من حيث الظهور. أما من حيث الحقيقة فإن الحدس يتقدم على الفعل، لأن الفعل ذاته ليس غير الحدس وقد انتشر في الزمان عندما تبناه الوجدان. ووجهة النظر هذه تحل المشكلة التي دار حولها الخلاف في القرون الوسطى، مشكلة التقدم بين المصدر والفعل" (6) .

إننا نوافق على النتيجة التي توصل إليها الأستاذ الأرسوزي التي تقول أن الفعل يتقدم على المصدر من حيث الظهور. ونرى أن أصل الفعل الثلاثي (أو الرباعي) المجرد هو صيغة الفعل الماضي للشخص الثالث المفرد المذكر. وهذه الصيغة، التي تفيد الإسناد والزمن الماضي، أكثر تشخيصًا من صيغة المصدر التي لا تفيد الإسناد والزمن بل تفيد المعنى العام المجرد للفعل (أي معنى الحدث مجردًا عن فاعله وزمانه) . فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن اللغة في ارتباطها بالتفكير لم تنشأ مكتملة دفعة واحدة (7) ، وأن الفكر لم يكتمل دفعة واحدة بل تم اكتماله بالانتقال من المشخص المحسوس إلى المجرد العام) (8) ، تبين لنا بالضرورة أن أصل الفعل (صيغة الماضي للشخص الثالث المفرد المذكر) لا يمكن إلا أن يتقدم على المصدر، لأن صيغة الفعل الماضي أكثر تشخيصًا من المصدر الذي يفيد المعنى المجرد العام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت