من المعروف أن اللغة العربية (الشمالية) لم تبدأ في الظهور كتابيًا إلا كآخر لغة سامية على الإطلاق. وعلى الرغم من ذلك يؤكد علماء الساميات أنه لا يمكن الاستغناء عن العربية لدى كل دراسة لغوية مقارنة للساميات، وأنها ضرورية لتحديد مزايا اللغة السامية الأم التي يفرض وجودها نظريًا. إن المنهج المقارن في دراسة اللغات لا يستطيع أن يكشف الظروف التي أدت إلى تمتع العربية بجملة من الخصائص تجعل معرفة العربية ضرورية ولا غنى عنها لتحديد صفات اللغة السامية الأم. أما المنهج المقارن التاريخي فينظر إلى اللغة الأم أو الأصل على أنها لغة حقيقية كانت موجودة تاريخيًا، ولكن ليس بالإمكان إعادة بنائها كليًا ويمكن فقط إعادة بناء الخصائص الأساسية لنظامها الصوتي والقواعدي ولمفرداتها. ويعني هذا أن المنهج المقارن التاريخي لا يستطيع كذلك أن يشرح الظروف التي جعلت العربية تتمتع بخصائص بنيوية مميزة.
إننا نرى أن هذا هو السبب في الارتباك الذي يعاني منه العرب في العصر الحاضر.
فيعمد بعض الباحثين العرب إلى التأكيد على أن اللغة العربية أقدم اللغات السامية على الإطلاق (14) . ويعمد آخرون إلى رفض مصطلح (اللغات السامية) ويدعون إلى تصحيح تلك التسمية الخاطئة التي تستبطن اعتبارات ثقافية وسياسية وإقليمية يمكن أن تستغلها الصهيونية، ويقترحون إطلاق تسمية (اللغات العربية القديمة) أو (اللغات الأعرابية) بدلًا منها (15) .
إننا ندعو إلى التخفيف من الاندفاع وراء المنهج المقارن التاريخي في دراسة اللغات لأنه عاجز عن إعادة بناء اللغة -الأصل كليًا، ولا يمكِّن بالتالي من إعادة بناء اللغة السامية الأم بشكل كامل. ويعني ذلك أننا لن نتمكن بوساطة المنهج المقارن التاريخي من إثبات هل اللغة العربية أقرب اللغات السامية جميعًا من اللغة السامية الأم. فما العمل؟!