الصفحة 291 من 337

فكما أنَّ ما بعد الأفعال المتعدية بأنفسها منصوب، فكذلك ما كان في معناها ممَّا يتعدى بحرف الجر، لأنَّه الاقتضاء واحد، إلا أن هذه الأفعال ضعفت في الاستعمال، فافتقرت إلى مقوٍّ، والأمر الآخر من جهة اللفظ، فإنك قد تنصب ما عطفته، على الجار والمجرور، نحو قولك:"مررت بزيد وعمرًا"، وإن شئت"وعمرو"بالخفض على اللفظ، والنصب على الموضع، وكذلك الصفة نحو:"مررت بزيد الظريفَ"، بالنصب، و"الظريفِ"بالخفض، فهذا يؤذن بأن الجار والمجرور في موضع نصب، ولذلك قال سيبويه ( [20] ) :"إنك إذا قلت:"مررت بزيد"، فكأنك قلت:"مررت زيدًا"، يريد أنه لو كان ممَّا يجوز أن يستعمل بغير حرف جرـ لكان منصوبًا، وجملة الأمر أن حرف الجر يتنزل منزلة جزء من الاسم من حيث كان وما بعده في موضع نصب، وبمنزلة جزء من الفعل من حيث تعدى به، فصار حرف الجر بمنزله الهمزة والتضعيف، نحو:"أذهبت زيدًا، وفرَّحته" ( [21] ) ."

إنَّ نصبَ الاسم بـ"أذهبت"دليلٌ على أن في فعل"ذهب"ما يستوجب النصب حقيقة، لكنَّ الاستعمال هو ما عدّاه بالحرف لا بنفسه، وهذا لا يدفع أن فيه ما يحتاج إلى مفعول، كما يحتاج إلى فاعل.

وقد لا يكون المفعول ظاهرًا، وهذا يؤدي إلى دخول الحرف لتقوية المفعولية فيه، ففي قولنا:"ذهب زيد إلى السوق"، فقدانُ المفهوم الواضح للمفعولية، وذلك بسبب تأثير حدث الذهاب، فالفاعل في هذه الجملة قد يكون مفعولًا، والتفكُّر في ذلك مدعاة إليه، وكذا"وصل زيد إلى السوق"، فأين المفعول الذي تأثر بالحدث، هل هو السوق، أو الطريق التي يسير عليها، أو السيارة التي يمتطيها، والحقُّ أنه زيد نفسه، فهو الفاعل والمفعول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت