الصفحة 321 من 337

اتسمت الأبحاث اللسانية الأوروبية في القرن الثامن عشر بالتهافت على النظريات العقلانية التي تبحث في أصول اللغات. لذا اختصتها الموسوعة الفرنسية مثلًا بثلث مادة (لغة) . وظهرت في أواخر القرن التاسع عشر مدرسة (المحدثين من علماء القواعد) التي قالت بالحتمية المطلقة للقوانين الصوتية. اعتبرت هذه المدرسة أن غاية البحوث اللسانية الأساسية هي الوصول إلى كشف القوانين التي تخضع لها الظواهر اللغوية، ودعت إلى تخليص اللسانيات من جميع المسائل الفلسفية التي لا يتفق منهج البحث فيها مع مناهج البحث في العلوم. وكان من آثار ذلك الاتجاه أن انصرف اللسانيون عن البحث في موضوع نشأة الألسن وتركوا دراسته للمختصين بالفلسفة.

ثم عادت المدرسة اللسانية السوفييتية التي تنطلق من الفلسفة الماركسية - اللينينية - إلى البحث النظري العام في نشأة الألسن، بعد أن فصلته عن مسألة تشكل اللغات الطبيعية (الموجودة إلى الآن أو التي ثبت بالشواهد أنها كانت موجودة) . فترى المدرسة اللسانية السوفييتية أن علم اللسان يدرس تاريخ تشكل اللغات الطبيعية انطلاقًا من الحقائق الفعلية لوجودها (أصواتها وقواعد صرفها ونحوها، والشواهد الكتابية) ، في حين يدرس مسألة (نشأة الألسن وبداية تشكل الكلام الإنساني) في نطاق الفرضيات العامة والنظريات.

وتقضي تقاليد علوم اللغة العربية بإدخال مسألة (نشأة اللغات) في الدراسات اللسانية (5) . هذا وننطلق في دراسة مسألة (نشأة الألسن) من اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت