ذكرنا أعلاه أن نظرتنا الجديدة في تاريخ اللسان العربي (التي اعتمدت المنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية) قد كشفت عن ثلاثة أطوار مرّ بها اللسان العربيّ في مسار تطوره التاريخي (القديم والأوسط والحديث) . ويعني ذلك أن اللسان العربي موغل في القدم. وإذا أخذنا بالحسبان أن اللسان العربي لا يزال حيًا حتى يوم الناس هذا، تظهر لنا أصالة اللسان العربي. وحين نصف لسانًا ما بالأصالة نقصد أنه يتوافر فيه عنصران هما: الإيغال في القدم من ناحية، والاستمرار في الحياة من ناحية أخرى. وعليه فإن بنية اللسان الأصيل بهذا المعنى يجب أن تتمتع بجملة خصائص من حيث المفردات والأصوات والصرف والنحو تشير إلى إيغاله في القدم. وأول قرينة على إيغال لسان ما في القدم هي وجود شبه بين ألفاظه وأصوات الحيوان والطبيعة، لأن هذا الشبه يدل على محاكاة الإنسان البدائي لأصوات الحيوان والطبيعة، ويؤكد بالتالي بدائية نشأة ذلك اللسان.
تكشف دراسة مفردات المعجم العربي عن وجود شبه واضح بين كثير من ألفاظ اللسان العربي وبين أصوات الحيوان والطبيعة، مما يشير إلى بدائية نشأة اللسان العربي. وأرى أن خصائص بنية الفعل والاسم في اللسان العربي (التي عرضتها في المقالة الثانية من السلسلة) تعكس خصائص البنية الصوتية للسان العربي التي تشير إلى بدائية نشأة اللسان العربي. لذا فإن القول بأصالة اللسان العربي لا يحيلنا فقط إلى البحث في نشأة اللسان العربي نفسه، بل يحيلنا بالضرورة أيضًا إلى البحث في نشأة الألسن وبداية تشكل الكلام الإنساني. وأول ما يعترضنا هنا السؤال التالي: هل تدخل مسألة (نشأة الألسن وبداية تشكل الكلام الإنساني) من حيث المبدأ في الموضوعات التي يدرسها علم اللسان؟
أولًا: هل تبحث اللسانيات في نشأة الألسن؟