إننا نرى أن ابن جني قد انطلق في كتابه (الخصائص) من منطلق بنيوي حين بحث في نطاق الكلمة المفردة. وأوصله ذلك المنطلق إلى ضرورة أخذ عامل الزمن بعين الاعتبار - ولو لم يصرح بذلك دائمًا - لأن الاشتقاق يرتبط حتمًا بالزمن. ولدى البحث في التقليبات الممكنة للكلمة الواحدة اكتشف أن الشيء الذي يجمع تلك التقليبات هو وحدة المعنى. ولدى البحث في النظريات المتعلقة بنشأة اللغات، ذكر ابن جني نظرية التوقيف وناقشها، كما ذكر نظرية الاصطلاح وناقشها. ولكنه لم يجزم في الأخذ بواحدة منهما، بل جوّزهما معًا. ويرجع ذلك - برأيي - إلى أن اهتمام ابن جني كان منصبًا على اكتشاف القوانين التي تنظم اللغة وتوضح أسباب الأخذ ببعض التقليبات وترك بعضها الآخر، فيقول مثلًا:"أما إهمال ما أُهمل مما تحتمله قسمة التركيب في بعض الأصول المتصورة أو المستعملة، فأكثره متروك للاستثقال وبقيته ملحقة به ومقفاة على أثره" (7) .
وبما أن الجزم في الأخذ بإحدى النظريتين (التواضع أو الإلهام) لا يغير من حقيقة القوانين اللغوية واتساقها، فقد جوّزهما ابن جني على حد سواء. ولكنه أكدّ بشكل قاطع على أمرين:
1-لم تنشأ اللغة في وقت واحد، بل نشأت في أوقات متلاحقة.
2-كانت اللغة باستمرار تحافظ على اتساق قوانينها.
فقال في باب (في هذه اللغة: أفي وقت واحد وضعت أم تلاحق تابع منها بفارط؟) ما يلي:"قد تقدم في أول الكتاب القول على اللغة: أتواضع هي أم إلهام؟ وحكينا وجوّزنا الأمرين جميعًا. وكيف تصرف الحال وعلى أي الأمرين كان ابتداؤها فإنها لا بدّ أن يكون وقع في أول الأمر بعضها، ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه لحضور الداعي إليه، فزيد فيها شيئًا فشيئًا، إلا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه وتأليفه وإعرابه المبين عن معانيه.." (8) .