الصفحة 324 من 337

وهكذا نرى أن ابن جني استطاع بمنهجه اللساني العلمي أن يكتشف من ناحية عامل الزمن الذي تجلى في أن نشأة اللغة لم تتم في وقت واحد، بل بدأت ثم اكتملت في أوقات متلاحقة. كما استطاع أن يكتشف من ناحية أخرى اتساق النظام اللغوي. وقد حاول ابن جني أن يوحد هذين الجانبين (التطوري والتزامني) في إطار واحد، بفرض أن واضع اللغة، عرف سلفًا ما يتعارض مع النظام العام للغة فاستبعده وعرف ما ينسجم مع ذلك النظام فأبقاه، فقال:"اعلم أن واضع اللغة لما أراد صوغها وترتيب أحوالها، هجم بفكره على جميعها، ورأى بعين تصوره وجوه جملها وتفاصيلها، وعلم أنه لا بدّ من رفض ما شنع تألفه منها" (9) .

وبسبب عدم ترجيح ابن جني لإحدى النظريتين في نشأة اللغة (التوقيف أو الاصطلاح، اضطر إلى ذكر نظرية تقليد أصوات الحيوان والطبيعة التي قال بها الرواقيون علماء مدرسة الإسكندرية. وذلك لأن تلك النظرية يمكن أن تأخذ بعين الاعتبار من ناحية عامل الزمن الذي يتجلى في أن تقليد جميع الأصوات لم يتم طفرة واحدة. وتأخذ بالاعتبار من ناحية أخرى الجانب المادي(الصوتي) للغة الذي يمكن أن يخضع للتحليل والدراسة. وعلق ابن جني على نظرية المحاكاة بقوله:"وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل" (10) .

وهكذا نرى أن رؤية ابن جني اللغوية فذة وموحدة (غير مضطربة) لأنها علمية تنطلق من منطلق صوتي (مادي) وفهم منظومي للغة. وهذا هو السبب في أن ابن جني قد تبوأ في الماضي ذروة الدرس اللغوي. ويجب أن يتبوأ في الحاضر المكانة التي يستحقها في علم اللسان الحديث، إذا استطعنا أن نكشف عن قيمة دراساته اللغوية الرائدة في ضوء منجزات اللسانيات الحديثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت