الصفحة 55 من 337

وليس من باب المصادفة استخدام ابن خلدون لفظ (اللسان) المنعوت بـ (العربي) في مقدمته مرات كثيرة كما استخدمت في الأسلوب القرآني، والأمر بنفسه عند الأرسوزي فهو يفضل كلمة (لسان) عندما يكون الحديث عن اللغة العربية"لأن العربي خص لهجته، بحق، (لسان) . هذا الكلمة المؤلفة من الحروف الرشيقة (ل، س، ن) .. وأطلق على اللهجات كلمة (لغة) من لغا يلغو، وما يتضمن حرف الغين من غموض وإبهام). تلك هي صورة عن لفظتي (اللغة) و (اللسان) من خلال القرآن والمعجمات العربية والمصادر اللغوية كما رسمناها قبل التحدث عن الفصاحة في اللسان العربي."

أفصح اللغات

إن الذي أقف عنده بعد هذا المطاف اللغوي هو رأي اللغويين العرب في أهمية اللغة العربية، وإيمانهم أنها أفصح اللغات كلها: أصلًا، ومفهومًا، واصطلاحًا، وتقويمًا لها بالمقارنة مع سائر اللغات الأخرى في العالم، فلا عجب إن رأينا الزمخشري يعد"لغة العرب أفصح اللغات، وبلاغتها أتم البلاغات" (8) . كما أبرز ابن خلدون أهمية اللغة العربية بقوله (9) : تفاوتت طبقات الكلام في اللسان العربي بحسب تفاوت الدلالة على تلك الكيفيات... فكان الكلام العربي لذلك أوجز وأقل ألفاظًا وعبارة من جميع الألسن". وليس من العبث اللفظي قوله (10) :"وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني"، وقوله (11) :"ولا يوجد ذلك إلا في لغة العرب". فلا نستغرب بعد هذا كله إن رأينا العتابي، وهو أبلغ من عرفتم العربية فصاحة وبيانًا يقول معرضًا بالعجم:"اللغة لنا والمعاني لهم"، فاللغة تتضمن حكمًا المعاني التي تعبر عنها، والهدف من هذا القول أن اقتصار الأعاجم على المعاني إنما هو إشارة إلى أن اللغات الأخرى لا يمتلك فصاحة التعبير اللغوي الذي يمتلكه العربي، فالمعاني مطروحة على الطريق، كما يقول الجاحظ، وإنما العبقرية في الأسلوب اللغوي المتبع."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت