وضَّح الرافعي أهمية القبائل العربية، في هذا الثراء اللغوي، فقال: (14)
"لقد كانت القبائل العربية مادة هذه اللغة، وسبب اتساعها واستفاضتها، وكان فحول الشعراء من الجاهلية كأن كل واحد منهم قبيلة في التفنن والإبداع: مجازًا، واستعارة، وبديعًا. ثم جاء القرآن الكريم فكان الغاية كلها، ثم تتابع الشعراء، والكتَّاب، والأدباء، فمن لم يزد منهم على الموجود لم ينقص منه".
إن هذا التباين بين لهجات القبائل قبل الإسلام واستمراره حتى بدء الدعوة، هما من شواهد الأصالة التراثية، والعجيب حقًا أن نرى العربي القرشي يفقه سائر لهجات القبائل العربية الأخرى، بحكم عمله التجاري، وقد يجهل بعضهم من غير قريش اللهجات الأخرى. روي عن الرسول الكريم أنه قال لأبي تميمة الهجيمي:"إياك والمخيلة!، فقال: يا رسول الله، نحن قوم عرب، فما المخيلة؟ فقال، عليه الصلاة والسلام:"سبل الأزار"، كما قال له علي (ر) وقد سمعه يخاطب وفد بني فهد:"يا رسول الله، نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفد العرب بما لا نفهم أكثره، فقال: أدبني ربي فأحسن تأديبي"."
فلا تستغرب بعد هذا كله إن رأينا الرسول الكريم يخاطب قبائل العرب بلهجاتهم الخاصة بهم.
كتب إلى وائل بن حجر الكندي، أحد أقيال حضرموت، الكتاب التالي:"إلى الأقيال (16) العباهلة (17) ، والأرواع (18) المشابيب (19) ..".
وفيه:
"وفي التِّيعة (20) شاة، لا مُقورة الألياط (21) ، ولا ضناك (22) ، وانطوا الثبجة (23) ، وفي السيوب (24) الخُمس، ومن زنى مم بكر (25) ، فاصقعوه (26) مائة، واستوفضوه (27) عامًا، ومن زنى مم ثيِّب، فضرجوه بالأضاميم (28) ، ولا توصيم (29) في الدين، ولا غُمَّة في فرائض الله تعالى، وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفل (30) على الأقيال".
ولهذا الكتاب روايات أخرى، فيها زيادات غريبة.