الصفحة 6 من 337

وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنسانًا! وتمكّن الصوت بِ (إنسان) وتفخّمه فتستغني بذلك عن وصفه بقولك: إنسانًا سمحًا أو جوادًا أو نحو ذلك. وكذلك إذا ذَمَمْته ووصفته بالضّيق قلت: سألناه وكان إنسانًا! وتُزري وجهك وتقطّبه فيغني ذلك عن قولك: إنسانًا لئيمًا أو إنسانًا لحِزًا (ضيّق الخلُق) أو نحو ذلك"."

ألا تدلّ هذه الأمثلة من كلام ابن جني على أهمية النبر والتنغيم؟! لعل ذلك يُترك للقارئ أو السامع كي يتذوق النص ويفهمه ويُصدر حكمه ثمة عليه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن العرب وإن لم يضعوا تصانيف في التنغيم فلا يعني بأي حال من الأحوال أن نصرف عنه الاهتمام به؛ فتكاد لا تخلو منه أية لغة من لغات العالم، حيث تَكتسب اللغات الحية رونقها وجمالها إذا اتخذته أساسًا في التواصل بين الأفراد خطابًا ومحادثة؛ فالتنغيم يميّز لغة الخطاب عن اللغة المكتوبة، فهو في الأولى كما الترقيم في الثانية، كلّ منهما يقوم بوظيفة دلالية في تحديد المعنى.

دلالة التنغيم:

ذكرنا سابقًا أن دراسة التنغيم من أهم جوانب الدراسة الصوتية خصوصًا واللغوية عمومًا، بل من أكثرها خطورة بسبب تعدد النغمات في البيئة أو البيئات اللغوية، فالتنغيم"تغييرات موسيقية تتناوب الصوت من صعود إلى هبوط، أو من انخفاض إلى ارتفاع، تحصل في كلامنا وأحاديثنا لغاية وهدف، وذلك حسب المشاعر والأحاسيس التي تنتابنا من رضى وغضب ويأس وأمل وتأثر ولا مبالاة، وإعجاب واستفهام وشك ويقين، ونفي أو إثبات، فنستعين بهذا التغيير النغمي الذي يقوم بدور كبير في التفريق بين الجمل؛ فنغمة الاستفهام تختلف عن نغمة الإخبار، ونغمة النفي تختلف عن نغمة الإثبات. وهذا ما أشار إليه الدكتور سمير ستيتيّة بقوله:"قد تكون النغمة نغمة تفاؤل ويسميّها بعضهم النغمة الوجدانية، وقد تكون تشكّك أو ضجر أو يأس أو استسلام، أو غير ذلك مما له علاقة بسيكولوجية المتكلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت