ويرى بعض الباحثين أن دراسة هذه المباحث الصوتية، فيه نوع من المجازفة والتطاول على اللغة، يقول الدكتور تمّام حسّان: ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أن دراسة النبر ودراسة التنغيم في العربية الفصحى، يتطلب شيئًا من المجازفة؛ ذلك لأن العربية الفصحى لم تعرف هذه الدراسة، ولم يُسجّل لنا القدماء شيئًا على هاتين الناحيتين، وأغلب الظن أن ما ننسبه للعربية الفصحى في هذا المقام، إنما يقع تحت نفوذ لهجاتنا العامية، لأن كلّ متكلم بالعربية الفصحى في أيامنا هذه، يفرض عليها من عاداته النطقية العامية الشيء الكثير"."
ولعلّ مثل هذا الكلام فيه مجازفة على اللغة العربية؛ ذلك أن العرب وإن لم يُفرِدوا لهذه المسائل أبحاثًا مستقلة، فلا يَعني أنهم أغفلوا الحديث عنها وتركوها طيّ النسيان، فهما (النّبر والتّنغيم) في ذلك مثل الصرف في بداية النحو العربي، كانت مسائله تُدرس مع النحو، وبقيا توأمين مرتبطين إلى أن انفصلا وصار الصرف علمًا قائمًا بذاته له علماؤه وتصانيفه.
وإنّ نظرة إلى كتب النحاة واللغويين، ترينا عناية هؤلاء العلماء بمثل هذه المباحث، فهذا ابن جني يشير إشاراتٍ لطيفةً إلى النبر والتنغيم عندما عرض لكلام العرب:"سير عليه ليل"بقوله:"وكأن هذا إنما حُذفت فيه الصفة لمّا دل من الحال على موضعها، وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح (التطويل) والتضخيم والتعظيم، ما يقوم مقام قوله (طويل) أو نحو ذلك."
وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وذلك أنك تكون في مدح إنسان والثناء عليه فتقول: كان والله رجلًا، فتزيد في قوة اللفظ (والله) وتتمكّن من تمطيط اللام وإطالة الصوت بها وعليها؛ أي رجلًا فاضلًا أو شجاعًا أو كريمًا أو نحو ذلك.