فهرس الكتاب
إن مجاورتها للمدن الهامة التي لعبت دورًا متميزًا في تاريخ سورية القديم يدفع إلى الاعتقاد بأنها لا بد أن تكون قد ساهمت في مثل هذا الدور بشكل أو بآخر، وبالافتراض بأن تلبيسة هي أبزو فإن أرشيف إيبلا- كما أسلفنا-أفاد بأن هذه المدينة كانت شاهدة على المعاهدة بين المصريين ومدينة قادش، وما عدا ذلك فإن الفترة الطويلة بين انتهاء المد الحثي وظهور المسيحية، فترة فقيرة جدًا بالمعلومات، إلا أن ذلك لا يعني أن تلبيسة كانت غير موجودة على المسرح التاريخي، وإن الآثار التي عثر عليها في القلعة وما حولها تؤكد عدم انقطاع التسلسل التاريخي للمدينة، فقد تم العثور على آثار آشورية وآرامية وكتابات مبعثرة هنا وهناك، أما الآثار اليونانية فإنها موجودة بكثرة، وتبدو واضحة في شواهد القبور، وكذلك الأمر في الآثار الرومانية فهي ترى في كل مكان تقريبًا خاصة الأقنية التي كانت تنقل المياه العذبة إلى العديد من الجهات، كقلعة الرستن، مما يدل على غنى تلبيسة بالمياه في ذلك العصر.
وكانت أراضيها الفسيحة ساحة قتال في المعارك الطاحنة بين الجيوش الزاحفة من الشمال للاستيلاء على حمص، وبين الجيوش المدافعة عنها، فقد انكسرت جيوش زنوبيا في المعركة التي دارت على السهل الممتد بين حمص وتلبيسة عام 272م [1] ، وكأن سهول تلبيسة الفسيحة قد تحولت إلى ساحات حرب كلما تعرضت حمص لخطر قادم من الشمال، فقد تصدى لهجوم التتار كلٌ من الأشرف موسى صاحب حمص، والمنصور صاحب حماة في عام 656هـ الموافق 1260م على سهول تلبيسة، وألحقوا بالتتار هزيمة شنيعة فانكسروا وردوا على أعقابهم [2] كما أن هذه السهول كانت مكانًا مفضلًا لدى قادة الجيوش الفتح الإسلامي لإعادة تنظيمها وتأهيلها لإتمام واستكمال عمليات الفتح.
(1) -جولة أثرية-أحمد وصفي زكريا.
(2) -نفس المصدر السابق.