والخطوة الأخرى هي تخليصه من الإسرائيليات التي تسربت إليه: فمن المعروف أنَّ الإسرائيليات تغلغلت في الفكر العربي مع ظهور الإسلام ودخول بعض اليهود فيه، فاستغلوا معرفتهم بالتوراة وما سردته من أحداث وقصص تبدأ منذ الخليقة حتى تاريخ كتابتها، لتفسير ما جاء موجزًا في القرآن الكريم من الإشارة إلى بعض القصص القديمة، عن كيفية خلق السماوات والأرض ثم عن كيفية خلق الإنسان، ثم عن تكاثره وتشعبه إلى أمم وقبائل...الخ
وأبرز الأشخاص الذين يعود إليهم أمر توفير المادة الإخبارية من الإسرائيليات ومن عرب ما قبل الإسلام هم كعب الأحبار، وعبيد بن شريَّة، ووهب بن منبه.
فكعب الأحبار هو كعب بن مانع كان قبل الإسلام من كبار علماء اليهود في اليمن، أدرك النبيّ ولم يسلم إلا في زمن أبي بكر، وقدم المدينة في عهد عمر بن الخطاب؛ فأخذ عنه الصحابة وغيرهم من المسلمين كثيرًا من أخبار الأمم الماضية، وأخذ هو عنهم علم القرآن والسُّنة، وبعد اغتيال عمر أشارت إليه أصابع الاتهام بالتحريض على قتله، فخرج إلى الشام وسكن
حمص وتوفي فيها، عام /652/ م. عن مائة وأربع سنوات.
ويعدُ كعب الأحياء أوَّل من روّج بشكل كبير للإسرائيليات؛ ما دخل
فكرها وتراثها، ونشره بين المسلمين"وقد أخذ عنه اثنان، هما أكبر من نشر علمه: ابن عباس، وهذا يعلل ما في تفسيره من إسرائيليات، وأبو هريرة ولم يؤثر عنه أنه ألف كما أثر عن وهب بن منبه" [1] ، ووهب بن منبّه يجيء من أصل فارسي، وكان من أهل الكتاب الذين أسلموا، وله أخبار كثيرة وقصص تتعلق بأخبار الأول، ومبدأ العالم، وقصص الأنبياء، وكان يقول"قرأت من كتب الله اثنين وسبعين كتابًا" [2] ، وتوفي سنة /732/ م بصنعاء.
(1) -أحمد أمين: فجر الإسلام، ص (160، 161) .
(2) - أحمد أمين: فجر الإسلام، ص (160، 161) .