وفي الليلة التي غادر فيها نجم الدين تكريت، ولد له يوسف صلاح الدين، فحمله معه إلى الموصل عام 531هـ/1137م، وقضى يوسف صلاح الدين طفولته الأولى مع أبيه والي بعلبك، وكان يسمع عن اعتداءات الصليبيين على البلاد فتؤثر في نفسه، ولما صار له من العمر أربع عشرة سنة أقطعه نور الدين إقطاعًا حسنًا، ومنذ ذلك الوقت أصبحت له مكانة خاصة، وظهرت حظوته لدى السلطان نور الدين.
وبعد أن تولى أبوه ولاية بعلبك،بدأ صلاح الدين يتلقى العلوم الإسلامية، وفنون القتال ولقي من الرعاية والاهتمام -باعتباره ابن والي المدينة - ما لا يلقاه أبناء أواسط الناس، فدرس القرآن والحديث والفقه وغيره من العلوم على يد كبار العلماء كالشيخ قطب الدين النيسابوري مثلًا، إضافة إلى تردده على دور العلم وتلقي الدروس العلمية على يد والده نجم الدين أيوب، وعمه أسد الدين شيركوه، والسلطان نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، الذين كانوا ممن تحدث عنهم التاريخ باعتزاز.
ولم يكن صلاح الدين مقلدًا لهم تقليدًا كاملًا، كما أنه لم يكن مبدعًا كل الإبداع بل جمع بين الأصالة والتقليد بأسلوب جديد يتلاءم مع عصره الجديد، ولو لم يكن تعبيره صادقًا مع نفسه ومتماشيًا مع روح عصره لما تمكن من الوصول إلى القيادة ولما حقق النصر على الأعداء، مما جعل الشعراء يمتدحونه، خاصة عندما حافظ على النظام وأظهر حسن السياسة يوم تولى رئاسة شرطة دمشق عام 560هـ/1165م ولم يكن له من العمر إلا اثنين
وعشرين عامًا.
وكان صلاح الدين يتردد على الفقيه العالم ابن عساكر الدمشقي، وصادق ابن سبط الجوزي القابقي، وبذلك جمع بين أساتذة الفقه والتاريخ والحديث والسياسة وقيادة العسكر، فتخرج على أيدي أولئك الأساتذة والقادة سلطانًا للمسلمين, بعد أن ساعدته الظروف السيئة للبلاد, وعرف كيف يستغل تلك الظروف, فلم ينازعه أحد مدة عشرين عامًا تقريبًا.