وتعليل ذلك أن صلاح الدين كان يهدف إلى القضاء على الصليبيين قضاء تامًا، وهذا لا يتيسر قبل إقامة دولة إسلامية موحدة قوية. ومن هنا فقد هادنهم مؤقتًا لتصفية الحساب مع الأمراء المسلمين الذين يقاومون إنشاء دولة موحدة، وعلى الرغم من أنه لم يقم بحروب حاسمة في هذه الفترة ضد الصليبيين؛ إلا أنه كان بين وقت وآخر يكيل لهم الضربات القوية، ليبرهن على أنه قادر على مجابهة التحدي، وربما ليشعر مناوئيه من الأمراء المسلمين أنه قادر على القتال في جبهتين في آن واحد، أو ليبرهن لهم أن العدو المشترك قريب منهم والأجدى أن يتحدوا ضده.
ولم يبق أمامه طبقًا لمقتضيات الواقع السياسي والعسكري؛ إلا إعلان الجهاد ضد الصليبيين، بعد أن كسب على المستوى الإيديولوجي والإعلامي ثقة جمهور المسلمين فراح يعد العدة لمعركة فاصلة. فكانت معركة حطين.
جاءت الفرصة المواتية لصلاح الدين عندما نقض أرناط أمير الكرك، العهد المعقود بينه وبين مملكة بيت المقدس، فخرج من دمشق ليمنع اعتداء أرناط على قوافل الحجاج العائدين من مكة والتي قيل أن أخته كانت فيها، ولا نريد هنا أن نتحدث عن سير هذه المعركة الفاصلة، بل نكتفي بالقول إن الهزيمة التي أصابت الصليبيين عام 583هـ/1173م لم تكن نتيجة ضعف فيهم، إنما قابلهم جيش موحد له قائد محنك (كما يقول هارلد لامب) أحكم الخطة العسكرية، فأحسن اختيار الأرض، أرض المعركة، وزمنها، واستغل الحرفي شهر تموز، فمنع عن عدوه الماء، وقاد جيشه بنفسه بكل نجاح، وكان لانتصار صلاح الدين في حطين صدى بالغ الأثر في نفوس المسلمين عامة، وأهالي دمشق خاصة لأنها في تلك الفترة كانت مقره ومركز أعماله.