الصفحة 176 من 205

كان لهزيمة الصليبيين في حطين وما أعقبها من سقوط القدس بيد صلاح الدين وفتح الساحل الشمالي, أثر كبير في أحداث رد فعل عنيف في أوربة, مما دعاهم لتأليف حملتهم الصليبية الثالثة؛ واشترك فيها فيليب الثاني ملك فرنسا, وريتشارد قلب الأسد ملك انكلترا, وفريدريك برباروسا إمبراطور ألمانية، فوصلت قوات فيليب وريتشارد عن طريق البحر وحاصروها, أما قوات برباروسا فقد توجهت برًّا إلى فلسطين, وقد تعرضت لهجمات السلاجقة وأهالي حلب, بل والدولة البيزنطية نظرًا للأضرار التي ألحقها الألمان بأراضيه مما وثّق التقارب البيزنطي الأيوبي (كما جاء في النوادر السلطانية لابن شداد) , وغرق برباروسا وهو يعبر نهرًا في كيليكيا, وعاد أتباعه أدراجهم.

قاومت عكا الحصار مدة سنتين كاملتين شهدت فيهما أضخم العمليات الحربية, اشتركت فيها كل قوات أوربا الغربية تقريبًا، وأخيرًا سقطت عكا عام 587هـ/1191م, وقبض ريتشارد على أسراها وأمر بذبحهم, ولم ينج منهم إلا بعض الأمراء ليفتدى بهم أسرى الصليبيين, فكانت المذبحة رهيبة لدرجة أن جميع المؤرخين شرقيين وغربيين استنكروها.

وعلى الرغم من المعاملة اللاإنسانية التي عومل بها أسرى المسلمين في عكا؛ فإن صلاح الدين لم يعاملهم بالمثل حين أسر جماعة من الصليبيين بعد أيام من مذبحة عكا, وكان من الطبيعي أن يأمر بقتلهم, إلا أنه أطعمهم وكساهم, وأرسلهم بعدها إلى دمشق ليودعوا سجنها, فضرب أروع أمثلة التسامح وضبط النفس، وشتان بين السلوك الهمجي الذي اتبعه ريتشارد وبين السلوك الإنساني الذي اتبعه صلاح الدين (كما أورده المؤرخ هرولد لامب) , وقد وصف الراهب أودو الدويلي معاملة المسلمين للأسرى الصليبيين).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت