ونظرًا لنشاط صلاح الدين بالعمليات العسكرية، وفتحه بعض المدن والحصون التابعة لريتشارد، والتي كان آخرها استيلاؤه على يافا، ونظرًا للضغوط الشديدة التي كان يلاقيها ريتشارد نتيجة خلافه مع قواته في الشام، ومن طلب الإنكليز المتكرر الذين يحثونه على العودة إلى وطنه- حتى لا يضيع ملكه-لذلك كله فضل ريتشارد عقد هدنة مع صلاح الدين بأي وسيلة، وقبل الصلح بالشروط التي فرضها صلاح الدين. وهكذا أخفقت الحملة الثالثة.
وعلى إثر هذا الصلح الذي تم في 20شعبان 588هـ/31 آب 1162م، وصل عدد كبير من الصليبيين إلى القدس لأداء الحج، فعاملهم صلاح الدين معاملة حسنة، ومد لهم موائد الطعام، وكان هدفه أن يقضي الصليبيون وطرهم من الزيارة ثم يعودوا إلى بلادهم، وليس في نفوسهم شيء على المسلمين فيأمنهم، وعاد ريتشارد إلى بلاده، وعاد صلاح الدين إلى القدس ليرمم أسوارها ويقوم
بإصلاحات فيها.
أما سياسته الداخلية، فلا شك أنها كانت وثيقة الصلة بسياسته الخارجية، سواء كان ذلك في تعامله مع الإمارات الإسلامية، أو مع الصليبيين. إذ أن هذه التنظيمات الإدارية والاقتصادية والثقافية كانت إلى حد ما القاعدة التي استند إليها صلاح الدين في توجيه نشاطه نحو التوسع في الشام، والتمكن من إتمام الوحدة بين مصر والشام وبلاد الجزيرة، فعن طريق هذه السياسة استطاع صلاح الدين السيطرة على الوضع الداخلي للإمارات الإسلامية التي انضمت إليها، والسير وفق نظام معين تمكن عن طريقه من استغلال الوسائل الاقتصادية والبشرية والعسكرية لمحاربة الصليبيين وتحرير القدس.