الصفحة 178 من 205

لذلك فإن معرفة السياسة الداخلية، والاطلاع على كيفية تعامل صلاح الدين مع أمرائه-على قلة المعلومات-أمر ضروري لتوضيح الأساس الداخلي الذي استندت إليه علاقاته الخارجية السياسية منها والعسكرية، وقد تبين أن صلاح الدين اعتمد جهاز الدولة النورية والفاطمية وتنظيماتهما، ولم يغير منها إلا القليل. وهذا واضح في نظم إدارة البلدان والجيش والتعبئة.

والسؤال الذي يمكن أن يطرح هو: هل أقام صلاح الدين تنظيماته الإدارية والاقتصادية على أنقاض جهاز الدولة التي سبقت حكمه دون تبديل أوتحوير؟ أم أنه أنشأ بالكلية نظمًا جديدة؟ أم أنه أخذ النظم السابقة وكيّفها لحاجاته؟

لقد اقتبس صلاح الدين الكثير من نظم الدولة النورية والفاطمية، ولم يتبع سياسة خاصة به إلا فيما يخص مصروفات الدولة ووارداتها، وأن سكوت المصادر التاريخية عن بعض التنظيمات الإدارية والاقتصادية وغيرها في فترات معينة من التاريخ، لا يعني عدم وجودها، بل من المحتمل أن المصادر باهتمامها بالقضايا العسكرية والسياسية، انشغلت عن ذكر النظم الحضارية، لذلك فإن حدوث تحول سياسي أو حربي، والانتقال من عهد إلى عهد آخر لا يعني -كما هو واضح من استقراء التاريخ-سقوط التنظيمات القديمة، وقيام أخرى جديدة لا علاقة لها بسابقتها، لأن ذلك يناقض استمرارية التماسك الاجتماعي والنظام البيروقراطي الوظيفي بعد حدوث تلك التغيرات.

وهكذا يمكن القول إن صلاح الدين لم ينشئ مؤسسات ونظمًا جديدة، بل أخذ ما كان موجودًا منها واكتفى بإجراء التعديلات الملائمة عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت