ولقد أولى القضاء عناية كبيرة، فخصص يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، يجلس للعدل بين الناس حتى يصل إليه من يشاء، وقد اشتكى إليه يومًا رجل في دمشق ابن أخيه، فأنفذ إليه صلاح الدين في الحال، وأجلسه في مجلس الحكم، ولم يحابه رغم محبته له، حتى ساواه في المحاكمة، وحلفّه اليمين بعد إدلاء الخصم بدعواه (النوادر السلطانية) ، وكانت سياسته أن يختار للقضاء قاضيًا واحدًا لا اثنين ليديم استقامة الحكم، وكان يوصي ولاته ألا يختاروا للقضاء من سأله.
ونتيجة لعدل صلاح الدين هذا فقد أمن الناس الشرور، وأخذوا يعملون إلى ساعات متأخرة من الليل دون خوف على حياتهم أو ممتلكاتهم (كما ورد في رحلة ابن جبير) .
ولما تمكن صلاح الدين من توحيد مصر والشام وبلاد الجزيرة ارتفعت واردات الدولة، ولو لم يكن لديه الواردات الكافية التي ينفق منها على الجيش وبناء التحصينات العسكرية لما استطاع فتح القدس. فما أنواع وارداته؟ وما الطرق التي صرفها بها؟
صحيح أن صلاح الدين ألغى الضرائب الجائرة الكثيرة التي كان يعمل بها قبل مجيئه لكنه استعاض عنها بعائدات شرعية وهي: الزكاة، والخراج، والجزية. وكان صلاح الدين ينفقها جميعًا، مما دفع نواب خزانته أن يخفوا عنه شيئًا مما كان يرد إليهم من أموال.."حذرًا من يفاجئهم منهم، لعلمهم بأنه متى علم به أخرجه" (ابن واصل) . ولم تكن لصلاح الدين سياسة مالية منظمة، وكل همه كان منصرفًا إلى الجهاد والتخفيف عن الناس، وكسب مودتهم، إلا أنه مع ذلك كانت له دواوين خاصة تهتم بشؤون الصرف والإنفاق على مرافق الدولة، وقد خصصت أغلب تلك المصروفات على التحصينات العسكرية وبناء السفن والمدارس والمساجد والبيمارستانات إضافة إلى رواتب الجند.