الصفحة 182 من 205

وحسن نواياه، لم يستخدم المكر والخديعة حتى مع أعدائه، بينما استغل أعداؤه تلك الصفات فيه، فشاغلوه بالمواعيد والمراسلات الكاذبة ليسوفّوا بها الأوقات، كما فعل ريتشارد أثناء حصار عكا، غير أن صلاح الدين تمكن من الانتصار عليهم بالرغم من كل ذلك، ولم يبق بيدهم سوى مدينة صور وطرابلس مع بعض القلاع عند وفاته، ولم تكن لتحدث تلك الانتصارات لولا الصفات المعنوية والمادية التي تحلى بها صلاح الدين وجنده، فإضافة إلى بناء صلاح الدين لتلك الوحدة القوية التي امتدت من النيل إلى الفرات والتي اعتمدت على جمهور المسلمين، كان الجميع يحاربون أعداءهم بعقيدة الدفاع عن النفس، وتحرير القدس، تلك البقعة التي شفتها عقيدتهم، أضف إلى ذلك الخطط العسكرية الجيدة التي اتبعها صلاح الدين، ومشاركته الفعلية في الحرب إلى جانب قواته العسكرية، وقد برزت له هذه الميزة حتى في أشد الأيام الدامية حيث كان يتنقل وسط ميدان المعركة، يوقظ الهمم، ويحيي في الجند الروح القتالية، وكان يتبع خطة الحرب الخاطفة ومباغتة العدو، وقد تبين هذا واضحًا بعد معركة حطين عام 583هـ/1187م في هجماته المتلاحقة على عكا وصفد وغزة وغيرها من المناطق، وكان صلاح الدين وباعتراف أعدائه يقاتل ليل نهار بحيث لا يدع للصليبيين وقتًا للكلأ والراحة (كما ذكر الشاعر أمبروز المعاصر لصلاح الدين) .

وقد أوضح المستشرق هاملتون جب بعض تلك الميزات الأخرى التي ساعدت صلاح الدين على تحقيق انتصاراته على أعدائه فقال: (جاءت بفضل امتلاكه لصفات معنوية، لا تشترك مع المواهب الإستراتيجية إلا القليل، كان رجلًا يستمد وحيه من مثل أعلى ذي قوة وثبات وإيمان راسخ الأركان، ولقد استسلمت له المدن والقلاع الصليبية بسهولة لسبب رئيسي يعود إلى شهرة صلاح الدين في المراعاة الدقيقة للعهود التي يأخذها على نفسه، وفي سماحة النفس التي لا تعرف المكر والحذر) . انتهى قوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت