الصفحة 183 من 205

ومما سبق يتبين أن موقف صلاح الدين من الصليبيين كان موقفًا حازمًا، فقد عاملهم معاملة الأعداء الحقيقيين الذين جاؤوا إلى أرض لم تكن لهم فاغتصبوها، وكان يجد نفسه المسؤول عن إخراجهم منها، ولذلك تميزت سياسته نحوهم بأنها كانت منحصرة في إعداد العدة وجمع الكلمة، ومحاربتهم من أجل إخراجهم من بلاد الشام، وفي هذا خاض صلاح الدين العديد من المعارك ضدهم وانتصر في أغلبها، وانتهت علاقته بهم، بالتوصل إلى عقد هدنة مؤقتة اضطر إلى الموافقة على قبولها كما اضطر الصليبيون نظرًا للظروف القاسية، واستمرارية الحرب التي أنهكت القوى وأنفدت العَدد والعُدد والتي دامت زهاء مئتي عام وكانت أطول حرب في التاريخ.

وفي شخص صلاح الدين الأيوبي يقول القاضي بهاء الدين بن شداد معاصره في كتابه النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية: صلاح الدين يوسف بن أيوب بطل حكيم، ولد في بيت قيادة، واجتمعت عناصر عدة في تربيته، لعل أبرزها الجانب العسكري الذي كان ضروريًا أكثر من سواه في تلك المرحلة التي كانت منطقتنا تعاني أثناءها من غزو الفرنجة، وتظهر روحه العسكرية طيلة حياته، فكان يمضي السنوات تلو السنوات متنقلًا من معركة إلى معركة، لا يعرف البيت المستقر المشيد الأركان، يريح سواه من القتال ولا يستريح، ويتابع ابن شداد قوله: وليس التمرس العسكري هو كل ما تلقاه صلاح الدين أثناء نشأته، بل درس العلوم الدينية حتى انتظمت عقيدته انتظامًا واضح الرؤية، قائمًا على الدليل مع قرن للنظر بالعمل أي اقتران النظرية بالتطبيق، واطلع على أنساب العرب وآدابهم وأيامهم، وكان يتمثل أحيانًا بأبيات من شعرهم، وعرف قيمهم واعتز بما كانوا يعتزون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت