الصفحة 194 من 205

ولا أريد أن أناقش حرمة المقابر في الشريعة الإسلامية، ولا الإشارة إلى ذلك لدى الشعوب الأخرى وأديانهم لنتعلم منها كاليهود والنصارى وغيرهم، وإنما أركز على الناحية التاريخية والأثرية والتراثية، وهذا فعلًا ما تمثله هذه المقابر، ولكن البلدية التي أرادت تعويض التوسع الفوضوي للمدينة وضيق الشوارع وقلة الحدائق وقصور المخططات التنظيمية، فهداها تفكيرها إلى حل سريع وهو الاعتداء على هذه المقابر ونبش قبورها وتحويلها إلى حدائق مفتوحة، مع أنها كانت تقوم بهذا الدور، وإلى ساحات وشوارع وأماكن لهو ومقاهي، ليتمشى فيها الناس الذين استغلوا الأراضي فبنوا عشوائيًا ليتمتعوا بهذه المقابر، فكأن الأمر مكافأة لهم، لقد كان اعتداء الأحياء بعضهم على بعض، وهم الآن يعتدون على الأموات وقبورهم، وأرض المقبرة وقف منذ مئات السنين ولا يجوز المساس بها حسب مفهوم الملكية الشرعية.

كما حولت البلدية بعض المقابر أو أجزاء منها إلى طرق لتعويض الازدحام

الذي سببه سلوك الأحياء في البناء غير المنظم وغير المدروس للمستقبل من قبل البلدية.

إن إزالة المقابر هو إزالة لتاريخ المدينة ومعالمها التاريخية، وهو إزالة لآثار حقيقية ومرتبطة بحياة كل مواطن في المدينة ففيها جذوره، وإن كانت بسيطة فهي تدل على وجود إنساني منذ مئات السنين، لأن المسلمين لا يبنون قبورًا ضخمة كما فعل الأقدمون، ولا يعظمون القبور لكبارهم ولا لعامتهم، وهو إزالة لمواقع تاريخية عربية، وإزالة تراث عمراني عربي إسلامي يدل على حدود سور المدينة ومراحل تطورها العمراني وطريقة الدفن وغيرها، وإزالة ذكريات كل السكان وماضيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت