الصفحة 41 من 205

إن الصرخات التي تعالت شاجبة هذه العدوانية والوحشية، بدءًا من أرميا وعاموس مرورًا بالتجليات الروحية للسيد المسيح [1] , وانتهاء برسالة الإسلام, لم تفلح في كسر الدائرة المغلقة التي هيمنت على العلاقة المثلثة بين يهوه وشعبه وكهنته, واستمرت الترسانة الظلامية اليهودية تنثر حقدها وعداءها للشعوب كافة.

بل لقد اخترقت الظلامية والعدوانية التي شكلتها السردية التوراتية المسيحية بمحاور مؤثرة, كما أغرقت الأديبات الإسلامية السمحة, بالتفاسير والأخبار والقصص تحت مسميات أبرزها الإسرائيليات.

فغدا التسلسل الزمني والمكاني للأحداث المزعومة حسب مرويات العصر القديم, مسلمة وتاريخًا لفلسطين, والمنطقة العربية بكاملها والعالم القديم برمته, بل لقد بُشر بالوجود اليهودي على فلسطين في زمن ما، سيأتي لاحقًا في الأديبات الإسلامية والمسيحية على السواء.

ولم تسلم من ذلك المناهج الدراسية التي تعرض التاريخ القديم من الاختراق بدءًا من المراحل الابتدائية وحتى أقسام التاريخ في معظم الجامعات العربية، إذ بالرغم من التأكيد على الحق العربي في فلسطين, ظلت هذه المناهج أسيرة الدراسات التوراتية خلال حقب حاسمة في التاريخ.

وعلى النقيض من ذلك, فمع الطرد والمذابح، أو لنقل حملات العقاب والقصاص التي تعرّض لها اليهود في الغرب, فإن وجهة نظر المذهب الرسمي للمسيحية اكتفت بقراءة العهد القديم قراءة رمزية, (وبحسب القديس أوغسطين فإن ما ورد فيه بشأن مملكة الله -إسرائيل- قائم في السماء وليس على الأرض وبالتالي فإن القدس وصهيون ليسا مكانين محددين على الأرض للسكان اليهود، أو السكن لليهود ولكنهما مكانان سماويان مفتوحان أمام كل المؤمنين بالله [2] .

(1) -روجيه غارودي: فلسطين ارض الرسالات السماوية ص88-93.

(2) -المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت