وقد ظلت وجهة النظر هذه, سيدة الموقف حتى أوائل القرن السابع عشر حيث ناصبت المسيحية اليهودية العداء, إلا أنه حين ترجم لوثر التوراة إلى الألمانية, أصبحت- كما يقول غارودي- لغة كل الشعوب, ومن ثم أراد لوثر وتلامذته, أن يضع حدًّا للتفرقة العنصرية ضد اليهود بإعادة طرح المسألة طرحًا لاهوتيًا من خلال السؤال: ما هو موقع اليهود في المشروع الإلهي؟
وقد أجاب السير هنري فنسن الحقوقي وعضو البرلمان الإنكليزي- عن السؤال المطروح من قبل لوثر- بقوله:
حين تذكر إسرائيل ويهوذا, وصهيون وأورشليم في التوراة, فالله لا يعني بذلك إسرائيل روحية, ولا يعني كنيسة لله, تجمع في صفوفها الأمم واليهود المتنصرين ولكنه يعني بإسرائيل, تلك التي تحدرت من نسل يعقوب [1] .
البحث عن إسرائيل القديمة
ومن هذه النقطة بدأت المركزيةُ الأوربية وأدواتها المعرفية-الاستشراق- إنشاءَ معرفةٍ عدّت فيها الديانة اليهودية منبع الحضارة الغربية وسرَّ الروحي والأخلاقي, ومن ثم نشأت فكرة البحث عن إسرائيل القديمة بوصفها مشروعًا معرفيًا, ينظر إلى إسرائيل على أنها منشأ الحضارة الغربية.
وكانت نتيجة القراءة الحرفية للتوراة, دون نقد تاريخي, له دلالته خاصة, أعاد ربط اليهود على أنهم ورثة الوعد ومن ثم, فالمسألة التي برزت هي الصهيونية بمعنى العودة إلى فلسطين بمفهوم للعقيدة متعصبٍ, يحلُ دولة إسرائيل محل إله إسرائيل.
كل ذلك من أجل تسويغ إقامة قاعدة متقدمة للغرب على أرض فلسطين؛
حيث لمسنا من عرض جغرافيتها السياسية في مقدمة البحث, ماذا تعني
السيطرة على هذا الانهدام؟
(1) -كيث وإيتلام: اختلاق إسرائيل القديمة-انظر ص 20.