لكن أروع ما حفلت به منطقة مؤاب، من خلال التنقيبات فن الفيسفساء والنقوش الملازمة، في مدن مادبا ، ونبو، والمخيط، وماعين، والقويسمة، فرشت بها جدران وأرضيات الكنائس، ما بين القرنين الخامس والثامن الميلاديين، كما وشيت بها جدران وأرضيات القصور الأموية، المشتى والطوية والخرّانة وعمرة وقلاع الحلابات والشوبك والكرك. وهذا موضوع واسع يحتاج إلى أبحاث معمقة غير أنني أكتفي بوصف القس تريسترام لقصر المشتى عندما زاره لأول مرة سنة 1874م.
"قصر منفرد وقد أدهشتني نقوشه وزخارفه، وهي في نظري تفوق كل ما خلفه العرب في هذا الفن - ولا أستثني قصر الحمراء في الأندلس -وقد سمح لبعثة ألمانية كانت تنقب هناك بأن تأخذ طائفة من هذه النقوش سنة 1932 م، وهي الآن تمثل الواجهة الأمامية للمتحف الإسلامي في عاصمة ألمانيا."
غير أنه من المؤسف حقًا أن يطال الاختراق التوراتي أحد هذه الأعمال الكبيرة الرائعة في فنها، وهي خريطة للأرض المقدسة فرشت بها أرضية أحد الأوابد السياحية في مادبا. يتحدث في شأنها البروفيسور جورج سابا:
قدر أن طول الخريطة الأصلي كان 24 مترًا وعرضها ستة أمتار، وما بقي منها من أشلاء، مع الترميمات المحدثة عليها يمثل مخططًا كاملًا لمدينة القدس، وضعت على نور التوراة فقسمت بحسب الأسباط، فقد خط باللون الأحمر الكتابات المهمة وتلك التي تصف تخوم الأسباط:"زوبولون في سواحل البحر يسكن.. وطرف تخمه إلى صيدون". و يعكس هذا العمل الأطماع التوسعية المتأصلة لدى الصهيونية.
خاتمة
"في الغرب يؤرخ لبدء وجود الاستشراق الرسمي بصدور قرار مجمع فيينا الكنسي عام 1312م بتأسيس عدد من كراسي الأستاذية في اللغات العربية واليونانية والعبرية والسريانية في جامعات باريس وأكسفورد وبولونيا وأفينون وسلامانكا".